الشنقيطي

68

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

جاء هنا بيان إتيانهم هذه الكتب مما يشير إلى ارتباط هذه السور بعضها ببعض ، في بيان مآل العلم كله ومصير الإنسان نتيجة عمله . وتقدم للشيخ مباحث إتيان الكتب باليمين وبالشمال ومن وراء الظهر ، عند كل من قوله تعالى : يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ في سورة الإسراء - إلى قوله تعالى - فَمَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ [ الإسراء : 71 ] ، وبين أحوال الفريقين أهل اليمين وأهل الشمال ، وأحال على أول السورة . وقوله : وَوُضِعَ الْكِتابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ [ الكهف : 49 ] ، في سورة الكهف وهنا ذكر سبحانه وتعالى حالة من حالات كلا الفريقين . فالأولى : يحاسب حسابا يسيرا وهو العرض فقط دون مناقشة ، كما في حديث عائشة رضي اللّه عنها « من نوقش الحساب عذّب » « 1 » . والثانية : يدعو على نفسه بالثبور وهو الهلاك ، ومنه : المواطأة على الشيء سميت مثابرة ، لأنه كأنه يريد أن يهلك نفسه في طلبه . وهنا مقابلة عجيبة بالغة الأهمية ، وذلك بين سرورين أحدهما آجل والآخر عاجل . فالأول في حق من أوتي كتابه بيمينه ، أنه ينقلب إلى أهله مسرورا ينادي فرحا هاؤُمُ اقْرَؤُا كِتابِيَهْ [ الحاقة : 19 ] ، وأهله آنذاك في الجنة من الحور والولدان ، ومن أقاربه الذين دخلوا الجنة ، كما في قوله تعالى : جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبائِهِمْ وَأَزْواجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ [ الرعد : 23 ] . وقوله : وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمانٍ أَلْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ [ الطور : 21 ] ، فهم وإن كانوا ملحقين بهم إلا أنهم من أهلهم ، وهذا من تمام النعمة أن يعلم بها من يعرفه من أهله ، وهذا مما يزيد سرور العبد ، وهو السرور الدائم . والآخر سرور عاجل ، وهو لمن أعطوا كتبهم بشمالهم ، لأنهم كانوا في أملهم

--> ( 1 ) سبق تخريجه في الجزء الرابع .