الشنقيطي
69
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
مسرورين في الدنيا ، وشتان بين سرور وسرور . وقد بين هنا نتيجة سرور أولئك في الدنيا ، بأنهم يصلون سعيرا ، ولم يبين سبب سرور الآخرين ، ولكن ينبه في موضع آخر وهو خوفهم من اللّه في قوله تعالى : قالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنا مُشْفِقِينَ ( 26 ) فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا وَوَقانا عَذابَ السَّمُومِ ( 27 ) إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ [ الطور : 26 - 28 ] . وهنا يقال : إن اللّه سبحانه لم يجمع على عبده خوفان ، ولم يعطه الأمنان معا ، فمن خافه في الدنيا أمنه في الآخرة وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ [ الرحمن : 46 ] . وَأَمَّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى ( 40 ) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوى ( 41 ) [ النازعات : 40 - 41 ] . ومن أمن مكر اللّه وقضى كل شهواته وكان لا يبالي فيؤتى كتابه بشماله ويصلى سعيرا ، كما في قوله تعالى : وَأَصْحابُ الشِّمالِ ما أَصْحابُ الشِّمالِ ( 41 ) فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ ( 42 ) وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ ( 43 ) لا بارِدٍ وَلا كَرِيمٍ ( 44 ) إِنَّهُمْ كانُوا قَبْلَ ذلِكَ مُتْرَفِينَ ( 45 ) وَكانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ ( 46 ) وَكانُوا يَقُولُونَ أَ إِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً أَ إِنَّا لَمَبْعُوثُونَ [ الواقعة : 41 - 47 ] ، تكذيبا للبعث . وقوله هذا هو بعينه المذكور في هذه الآيات إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ ( 14 ) . وقوله : إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ ، هذا الظن مثل ما تقدم في حق المطففين أَ لا يَظُنُّ أُولئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ ( 4 ) لِيَوْمٍ عَظِيمٍ [ المطففين : 4 - 5 ] ، مما يشعر أن عدم الإيمان بالبعث أو الشك فيه ، هو الدافع لكل سوء والمضيع لكل خير ، وأن الإيمان باليوم الآخر هو المنطلق لكل خير والمانع لكل شر ، والإيمان بالبعث هو منطلق جميع الأعمال الصالحة كما في مستهل المصحف هُدىً لِلْمُتَّقِينَ [ البقرة : 2 ] . قوله تعالى : فَلا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ ( 16 ) وَاللَّيْلِ وَما وَسَقَ ( 17 ) وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ ( 18 ) لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ ( 19 ) [ 16 - 19 ] . الشفق لغة : رقة الشيء . قال القرطبي : يقال شيء شفيق ، أي لا تماسك له لرقته ، وأشفق عليه أي رق قلبه عليه ، والشفقة الاسم من الإشفاق وهو رقة القلب ، وكذلك الشفق .