الشنقيطي
67
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
تنبيه من هذا العرض القرآني الكريم من مقدمة تغيير أوضاع الكون سماء وأرضا ، ووضع الإنسان فيه يكدح إلى ربه كدحا فملاقيه ، أي بعلمه الذي يحصل عليه من خلال كدحه ، فإن العاقل المتبصر لا يجعل كدحه إلّا فيما يرضي اللّه ويرضى هو به ، وإذا لقي ربه ما دام أنه كادح ، لا محالة كما هو مشاهد . تنبيه آخر قوله تعالى : يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ عام في الشمول لكل إنسان مهما كان حاله من مؤمن وكافر ، ومن بر وفاجر ، والكل يكدح ويعمل جاهد التحصيل ما هو مقبل عليه ، كما في الحديث : « اعملوا فكلّ ميسر لما خلق له » « 1 » أي ومجد فيه وراض به ، وهذا منتهى حكمة العليم الخبير . ومما هو جدير بالتنبيه عليه ، هو أنه إذا كانت السماء مع عظم جرمها ، والأرض مع مساحة أصلها أذنت لربها وحقت ، مع أنها لم تتحمل أمانة ، ولن تسأل عن واجب فكيف بالإنسان على ضعفه ، أَ أَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّماءُ [ النازعات : 27 ] ، وقد تحمل أمانة التكليف فأشفقن منها وحملها الإنسان ، فكان أحق بالسمع والطاعة في كدحه ، إلى أن يلقى ربه لما يرضيه . قوله تعالى : فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ ( 7 ) فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِساباً يَسِيراً ( 8 ) وَيَنْقَلِبُ إِلى أَهْلِهِ مَسْرُوراً ( 9 ) وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ وَراءَ ظَهْرِهِ ( 10 ) فَسَوْفَ يَدْعُوا ثُبُوراً ( 11 ) وَيَصْلى سَعِيراً ( 12 ) إِنَّهُ كانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُوراً ( 13 ) إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ ( 14 ) [ 7 - 14 ] . في هذا التفصيل بيان لمصير الإنسان نتيجة كدحه ، وما سجل عليه في كتاب أعماله ، وذلك بعد أن تقدم في الانفطار قوله : وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ ( 10 ) كِراماً كاتِبِينَ ( 11 ) يَعْلَمُونَ ما تَفْعَلُونَ ( 12 ) إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ ( 13 ) وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ [ الانفطار : 10 - 14 ] . وجاء في المطففين كَلَّا إِنَّ كِتابَ الفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ ( 7 ) ثم بعده كَلَّا إِنَّ كِتابَ الْأَبْرارِ لَفِي عِلِّيِّينَ [ المطففين : 7 - 18 ] .
--> ( 1 ) سبق تخريجه .