الشنقيطي
369
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
خطره على أبويك من قبل ، إذ هما في الجنة دار السلام ولم يسلما منه ، ودلّاهما بغرور فحاذر منه ولذ بي كلما ألمّ بك أو مسّك طائف منه ، وكن كسلفك الصالح إذا مسّهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون . وقد علمت عداوته لك من بعد ، وعداوته ناشئة عن الحسد . ولكأن ارتباط السورتين ليشير إلى منشأ تلك العداوة وارتباطها بها التحذير ، إذ في الأولى : ومن شر حاسد إذا حسد ، فحسد الشيطان آدم على إكرام اللّه إياه كما أسلفنا . والعدو الحاسد لا يرضيه إلا زوال النعمة عن المحسود ، ولئن كانت توبة آدم هي سبيل نجاته ، كما في قوله تعالى : فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ فَتابَ عَلَيْهِ [ البقرة : 37 ] . فنجاتك أيضا في كلمات تستعيذ بها من عدوك : برب الناس ملك الناس إله الناس ، لأن الرب هو الذي يرحم عباده ، وملك الناس هو الذي يحميهم ويحفظهم ويحرسهم . وإله الناس الذي يتألهون إليه ويتضرعون ويلوذون به سبحانه . تنبيه إذا كان هذا كله خطر الوسواس الخناس من الجنة والناس ، وهما عدو مشترك ومتربص حاقد حاسد ، فما طريق النجاة منه ؟ الذي يظهر ، واللّه تعالى أعلم : أن طريق النجاة تعتمد على أمرين : الأول : يؤخذ من عمومات الكتاب والسنة . والثاني : سمعته من الشيخ رحمة اللّه تعالى علينا وعليه . أما الأول فهو : إذا كانت مهمة الوسوسة التشكيك والذبذبة والتردد ، فإن عمومات التكليف تلزم المسلم بالعزم واليقين والمضي دون تردد كما في قوله : فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ [ آل عمران : 159 ] ، وامتدح بعض الرسل بالعزم وأمر بالاقتداء بهم فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ [ الأحقاف : 35 ] . وقال صلى اللّه عليه وسلم : « دع ما يربيك إلى ما لا يربيك » « 1 » .
--> ( 1 ) سبق تخريجه في الجزء الأول .