الشنقيطي

370

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

والقاعدة الفقهية « اليقين لا يرفع بشك » . والحديث : « يأتي الشيطان لأحدكم وهو في الصلاة فينفخ في مقعدته ، فيتخيل إليه أنه أحدث ولم يحدث ، فلا ينصرف حتى يسمع صوتا ، أو يجد ريحا » « 1 » . ومن هنا كانت التكاليف كلها على اليقين ، فالعقائد لا بد فيها من اليقين . والفروع في العبادات لا بد فيها من النية « إنما الأعمال بالنيات » « 2 » . والشرط في النية الجزم واليقين ، فلو نوى الصلاة على أنه إن حضر فلان تركها ، لا تنعقد نيته ، ولو نوى صوما أنه إن شاء أفطر ، لا ينعقد صومه . ونص مالك في الموطأ : أنه إن نوى ليوم الشك في ليلته الصوم غدا ، على أنه إن صح من رمضان فهو لرمضان ، وإلا فهو نافلة ، لا ينعقد صومه لا فرضا ولا نفلا حتى لو جاء رمضان لا يعتبر له منه ، وعليه قضاؤه لعدم الجزم بالنية . والحج : لو نواه لزمه ولزمه المضي فيه ، ولا يملك الخروج منه باختياره . وهكذا المعاملات في جميع العقود مبناها على الجزم حتى في المزح واللعب ، يؤاخذ في البعض كالنكاح والطلاق والعتاق . فمن هذا كله ، كانت دوافع العزيمة مستقاة من التكاليف ، مما يقضي على نوازع الشك والتردد ، ولم يبق في قلب المؤمن مجال لشك ولا محل لوسوسة . وقد كان الشيطان يفر من طريق عمر رضي اللّه عنه « 3 » . أما الذي كنت سمعته من الشيخ رحمة اللّه تعالى علينا وعليه فقوله : لقد علمنا اللّه كيفية اتقاء العدو من الإنس ومن الجن . أما العدو من الإنس ففي قوله تعالى : وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ [ فصلت : 34 ] . فدل على أن مقابلة إساءة العدو بالإحسان إليه تذهب عداوته ، وتكسب صداقته ، كما قال تعالى : ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السيئة .

--> ( 1 ) أخرجه عن أبي هريرة : الترمذي في الطهارة حديث 74 ، وابن ماجة في الطهارة حديث 515 . ( 2 ) سبق تخريجه في الجزء الثاني . ( 3 ) أخرجه عن سعد بن أبي وقاص : البخاري في فضائل أصحاب النبي صلى اللّه عليه وسلم حديث 3683 ، وبدء الخلق حديث 3294 ، والأدب حديث 6085 ، ومسلم في فضائل الصحابة حديث 22 .