الشنقيطي
368
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
اعْبُدُوا رَبَّكُمُ [ البقرة : 21 ] ، ويقيم البراهين على استحقاقه للعبادة وعلى إمكان البعث بقوله : الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ( 21 ) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً وَالسَّماءَ بِناءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ [ البقرة : 21 - 22 ] . وبعد تقرير الأصل وهي العقيدة ، تمضي السورة في ذكر فروع الإسلام ، فتشتمل على أركان الإسلام كلها وعلى كثير من مسائل المعاملات والجهاد ، وقلّ باب من أبواب الفقه إلا وله ذكر في هذه السورة ، ويأتي ما بعدها مبينا لما أجمل فيها أو لما يذكر ضمنها . وهكذا حتى ينتهي القرآن بكمال الشريعة وتمام الدين . ولما جاء في وصف المتقين المهتدين في أول المصحف ، أنهم يؤمنون بالغيب ومنه الإيمان باليوم الآخر وما فيه من حساب وعقاب وثواب ، أمور الغيب تستلزم اليقين ، لترتب الجزاء عليه ثوابا أو عقابا . والثواب والعقاب هما نتيجة الفعل والترك . والفعل والترك : هما مناط التكليف ، لأن الإنسان يمتثل الأمر رجاء الثواب ، ويكف عن متعلق النهي مخافة العقاب . فلكأن نسق المصحف الشريف يشير إلى ضرورة ما يجب الانتباه إليه ، من أن القرآن بدأ بالحمد ثناء على اللّه بما أنعم على الإنسان بإنزاله ، وإرسال الرسول صاحبه به ، ثم نقله من عالم الدنيا إلى عالم الآخرة ، وهو الأعظم قدرا وخطرا ، ثم رسم له الطريق الذي سلكه المهتدون أهل الإنعام والرضى ، ثم أوقفه عليه ليسلك سبيلهم . وهكذا إلى أن جاء به بعد كمال البيان والإرشاد والهداية ، جاء به إلى نهاية هذا الصراط المستقيم ، فاستوقفه ليقول له إذا اطمأننت لهذا الدين ، وآمنت باللّه رب العالمين ، واعتقدت مجيء يوم الدين ، وعرفت طريق المهتدين ورأيت أقسام الناس الثلاث مؤمنين وكافرين ومنافقين ، ونهاية كل منهم ، فالزم هذا الكتاب ، وسر على هذا الصراط ورافق أهل الإنعام ، وجانب المغضوب عليهم والضالين ، وأحذر من مسلك المنافقين المتشككين ، وحاذر كل الحذر من موجب ذلك كله ، وهو الوسواس الخناس ، أن يشككك في متعلقات الإيمان ، أو في استواء طريقك واستقامته أو في عصمة كتابك وكماله ، وكن على يقين مما أنت عليه ، ولا تنس