الشنقيطي

358

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

والقراءة الأخرى مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ [ الفاتحة : 4 ] . في القراءتين معا إشعار بالفرق بين ملك اللّه وملك العباد ، كالفرق بين الملك المطلق والملك النسبي ، إذ الملك النسبي لا يملك ، والملك المطلق ، فهو الملك القدوس ، والذي بيده ملكوت كل شيء وإليه ترجع الخلائق كلهم . ومن كانت هذه صفاته ، فهو المستحق لأن يعبد وحده سبحانه ، ولا يشرك معه أحد ، وهذا هو شعار العبد في الركن الخامس من أركان الإسلام ، حين يهلّ بالتلبية : إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك . قوله تعالى : إِلهِ النَّاسِ [ 3 ] . هذه هي المرتبة الثالثة في كمال العبودية ، وإفراد اللّه تعالى بالألوهية . وهذا هو محل الإحالة ، التي عناها الشيخ رحمة اللّه تعالى علينا وعليه فيما يظهر ، لأن العبد إذا أقر بأن اللّه ربه وخالقه ، ومنعم عليه أوجده من العدم ، ورباه بالنعم ، لا رب له سواه ، ثم تدرج بعلمه ويقينه إلى الإقرار بأن ربه هو مليكه والمتصرف في أمره وحده ، وأنه لا يملك هو نفسه مع اللّه شيئا ، ولا يملك له أحد من اللّه شيئا . وأن كل تصرفات العالم كله بأمره فلا يصل إليه خير إلا بإذنه ، ولا يصرف عنه ضرر إلا بأمره . وعرف في يقين : أنه عبد مملوك لمن بيده ملكوت السماوات والأرض ، توصل بعلمه هذا أن من كانت هذه صفاته ، كان هو وحده المستحق لإفراده بالعبادة وبالألوهية ، لا إله إلا هو . فيكون في خاتمة المصحف الشريف انتزاع الإقرار من العبد للّه سبحانه بطريق الإلزام ، بالمعنى الذي أرسل اللّه به رسله ، وأنزل من أجله كتبه ، وهو أن يعبد اللّه وحده ، وهو ما صرح الشيخ به في الإحالة السابقة . وإذا كان الشيخ رحمه اللّه ، قد نبه على مراعاة خاتمة المصحف ، فإنا لو رجعنا إلى أول المصحف وآخره لوجدنا ربطا بديعا ، إذ تلك الصفات الثلاث في سورة الناس موجودة في سورة الفاتحة ، فاتفقت الخاتمة مع الفاتحة في هذا المعنى العظيم ، إذ في الفاتحة الحمد للّه رب العالمين ، وملك يوم الدين ، فجاءت صفة