الشنقيطي

354

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

وكون الربوبية تستوجب العبادة ، جاء صريحا في قوله تعالى : فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هذَا الْبَيْتِ الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ [ قريش : 3 - 4 ] . فالموصول وصلته في معنى التعليل لموجب العبادة ، وسيأتي لذلك زيادة إيضاح إن شاء اللّه تعالى في نهاية السورة . وقد جاء هنا لفظ بِرَبِّ النَّاسِ ، بإضافة الرب إلى الناس ، بما يشعر بالاختصاص ، مع أنه سبحانه رب العالمين ورب كل شيء ، كما في أول الفاتحة : الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ [ الفاتحة : 2 ] . وفي قوله : قُلْ أَ غَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ [ الأنعام : 164 ] . فالإضافة هنا إلى بعض أفراد العام . وقد أضيف إلى بعض أفراد أخرى كالسماوات والأرض وغيرها من بعض كل شيء ، كقوله : قُلْ مَنْ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ [ الرعد : 16 ] . وقوله : رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا [ المزمل : 9 ] . وإلى البيت فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هذَا الْبَيْتِ [ قريش : 3 ] . وإلى البلد الحرام إِنَّما أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هذِهِ الْبَلْدَةِ [ النمل : 91 ] . وإلى العرش رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ [ المؤمنون : 116 ] . وإلى الرسول اتَّبِعْ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ [ الأنعام : 106 ] . وقوله : وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ [ المدثر : 3 ] ، إلى غير ذلك . ولكن يلاحظ أنه مع كل إضافة من ذلك ما يفيد العموم ، وأنه مع إضافته لفرد من أفراد العموم ، فهو رب العالمين ، ورب كل شيء ، ففي إضافته إلى السماوات والأرض جاء معها قُلِ اللَّهُ [ الرعد : 16 ] . وفي الإضافة إلى المشرق والمغرب جاء لا إِلهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا [ المزمل : 9 ] . وفي الإضافة إلى البيت جاء الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ [ قريش : 4 ] وهو اللّه سبحانه .