الشنقيطي

355

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

وفي الإضافة إلى البلدة جاء الَّذِي حَرَّمَها [ النمل : 91 ] ، وهو اللّه تعالى . وفي الإضافة إلى العرش جاء قوله تعالى : فَتَعالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ [ المؤمنون : 116 ] . وفي الإضافة إلى الرسول صلى اللّه عليه وسلم جاء قوله : ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ [ الضحى : 3 ] ، وغير ذلك من الإضافة ، إلى أي فرد من أفراد العموم يأتي معها ما يفيد العموم ، وأن اللّه رب العالمين . وهنا رب الناس جاء معها مَلِكِ النَّاسِ إِلهِ النَّاسِ [ الناس : 2 - 3 ] ، ليفيد العموم أيضا . لأن إطلاق الرب قد يشارك فيه السيد المطاع ، كما في قوله : اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ [ التوبة : 31 ] . وقول يوسف لصاحبه في السجن اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ [ يوسف : 42 ] ، أي الملك على أظهر الأقوال ، وقوله : ارْجِعْ إِلى رَبِّكَ فَسْئَلْهُ ما بالُ النِّسْوَةِ [ يوسف : 50 ] الآية . فجاء بالملك والإله للدلالة على العموم ، في معنى رب الناس ، فهو سبحانه رب العالمين ورب كل شيء ، ولكن إضافته هنا إلى خصوص الناس إشعار بمزيد اختصاص ، ورعاية الرب سبحانه لعبده الذي دعاه إليه ليستعيذ به من عدوه ، كما أن فيه تقوية رجاء العبد في ربه بأنه سبحانه بربوبيته سيحمي عبده لعبوديته ويعيذه مما استعاذ به منه . ويقوي هذا الاختصاص إضافة الرب للرسول صلى اللّه عليه وسلم في جميع أطواره منذ البدأين : بدأ الخلقة وبدأ الوحي ، في قوله : اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ [ العلق : 1 - 2 ] ، ثم في نشأته ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى - إلى قوله أَ لَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوى وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى وَوَجَدَكَ عائِلًا فَأَغْنى [ الضحى : 3 - 8 ] . وجعل الرغبة إليه في السورة بعدها وَإِلى رَبِّكَ فَارْغَبْ [ الشرح : 8 ] ، تعداد النعم عليه من شرح الصدر ، ووضع الوزر ، ورفع الذكر ، ثم في المنتهى قوله : إِنَّ إِلى رَبِّكَ الرُّجْعى [ العلق : 8 ] . قوله تعالى : مَلِكِ النَّاسِ ، في مجيء ملك الناس بعد رب الناس ،