الشنقيطي

327

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

وتقدم الكلام عليه هناك . وتقدم للشيخ رحمه اللّه تعالى علينا وعليه بيان معنى ما أَغْنى عَنْهُ مالُهُ وَما كَسَبَ ، عند قوله تعالى : مِنْ وَرائِهِمْ جَهَنَّمُ وَلا يُغْنِي عَنْهُمْ ما كَسَبُوا شَيْئاً وَلا مَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِياءَ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ [ الجاثية : 10 ] . وساق كل النصوص في هذا المعنى بتمامها . تنبيه في هذه الآية سؤالان هما : أولا : لقد كان صلى اللّه عليه وسلم مع قومه في مكة ملاطفا حليما ، فكيف جاء به عمه بهذا الدعاء : تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ ؟ والجواب : أنه كان يلاطفهم ما دام يطمع في إسلامهم ، فلما يئس من ذلك ، كان هذا الدعاء في محله ، كما وقع من إبراهيم عليه السلام ، كان يلاطف إياه يا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطانَ [ مريم : 44 ] . يا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ ما لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِراطاً سَوِيًّا [ مريم : 43 ] ، فلما يئس منه تبرأ منه كما قال تعالى : فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْراهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ [ التوبة : 114 ] . والسؤال الثاني : وهو مجيء قوله تعالى : وَتَبَّ ، بعد قوله : تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ ، مع أنها كافية سواء كانت إنشاء للدعاء عليه أو إخبارا بوقوع ذلك منه . والجواب ، واللّه تعالى أعلم : أن الأول لما كان محتملا الخبر ، وقد يمحو اللّه ما يشاء ويثبت ، أو إنشاء وقد لا ينفذ كقوله : قُتِلَ الْإِنْسانُ ما أَكْفَرَهُ ( 17 ) [ عبس : 17 ] ، أو يحمل على الذم فقط ، والتقبيح فجاء « وتب » لبيان أنه واقع به لا محالة ، وأنه ممن حقت عليهم كلمات ربك لييأس صلى اللّه عليه وسلم ، والمسلمون من إسلامه . وتنقطع الملاطفة معه ، واللّه تعالى أعلم . وقد وقع ما أخبر اللّه به ، فهو من إعجاز القرآن أن وقع ما أخبر به ، كما أخبر ولم يتخلف . وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلًا [ الأنعام : 115 ] ، وقوله : كَذلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لا يُؤْمِنُونَ [ يونس : 33 ] . نسأل اللّه العافية ، إنه سميع مجيب .