الشنقيطي
321
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
فيأتي قوم يبسون فيتحملون بأهليهم ومن أطاعهم ، والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون ، ويفتح العراق فيأتي قوم يبسون فيتحملون بأهليهم ومن أطاعهم ، والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون » « 1 » . فهذا نص صحيح صريح منه صلى اللّه عليه وسلم في حياته بفتح اليمن والشام والعراق ، وما فتحت كلها إلا من بعده صلى اللّه عليه وسلم إلا اليمن . ويؤيد هذا القول ما أخرجه ابن جرير عن ابن عباس قال : « بينا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بالمدينة ، إذ قال : اللّه أكبر ، اللّه أكبر ، جاء نصر اللّه والفتح ، جاء أهل اليمن ، قيل : يا رسول اللّه ، وما أهل اليمن ؟ قال : قوم رقيقة قلوبهم ، لينة طباعهم ، الإيمان يمان ، والفقه يمان ، والحكمة يمانية » « 2 » رواه ابن كثير عنه . وقد كان فتح مكة عام ثمان من الهجرة ، وجاءت الوفود في دين اللّه أفواجا عام تسع منها ، وجاء وفد اليمن وأرسل صلى اللّه عليه وسلم عماله إلى اليمن بعد فتح مكة ، وقدم عليه علي رضي اللّه عنه من اليمن في العام العاشر في موسم الحج ، ففتحت اليمن بعد فتح مكة في حياته صلى اللّه عليه وسلم . وعليه : تكون فتوحات قد وقعت بعد فتح مكة ، يمكن أن يشملها هنا قوله تعالى : وَالْفَتْحُ [ النصر : 1 ] ، وليس مقصورا على فتح مكة كما قالوا . وقد يؤخذ بدلالة الإيماء : الوعد بفتوحات شاملة ، لمناطق شاسعة من قوله تعالى : وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجالًا وَعَلى كُلِّ ضامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ [ الحج : 27 ] ، لأن الإتيان من كل فج عميق ، يدل على الإتيان إلى الحج من بعيد ، والإتيان إلى الحج يدل على الإسلام ، وبالتالي يدل على مجيء المسلمين من بعيد ، وهو محل الاستدلال واللّه تعالى أعلم . قوله تعالى : فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كانَ تَوَّاباً ( 3 ) . تقدم الكلام على التسبيح ومتعلقه وتصريفه . وهنا قرن التسبيح بحمد اللّه ، وفيه ارتباط لطيف بأول السورة وموضوعها ، إذ
--> ( 1 ) سبق تخريجه في الجزء الثامن . ( 2 ) أخرجه ابن جرير الطبري في جامع البيان 30 / 215 .