الشنقيطي
322
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
هي في الدلالة على كمال مهمة الرسالة بمجيء نصر اللّه لنبيه صلى اللّه عليه وسلم وللمؤمنين ولدينه . ومجيء الفتح العام على المسلمين لبلاد اللّه بالفعل أو بالوعد الصادق كما تقدم ، وهي نعمة تستوجب الشكر ويستحق موليها الحمد . فكان التسبيح مقترنا بالحمد في مقابل ذلك وقوله : بِحَمْدِ رَبِّكَ ، ليشعر أنه سبحانه المولى للنعم ، كما جاء في سورة الضحى في قوله تعالى : ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى [ الضحى : 3 ] . وقوله في سورة اقرأ : اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ [ العلق : 1 ] ، وتكرارها اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ [ العلق : 3 ] ، لأن صفة الربوبية مشعرة بالإنعام . وقوله : وَاسْتَغْفِرْهُ ، قال البعض : إن الاستغفار عن ذنب فما هو . وتقدم الكلام على عصمة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام عند قوله تعالى : وَوَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ [ الشرح : 2 ] . ومما تجدر الإشارة إليه أن التوبة دعوة الرسل ، ولو بدأنا مع آدم عليه السلام مع قصته ففيها فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ فَتابَ عَلَيْهِ [ البقرة : 37 ] ، ومعلوم موجب تلك التوبة . ثم نوح عليه السلام يقول : رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِناً وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ [ نوح : 28 ] الآية . وإبراهيم عليه السلام يقول : وَأَرِنا مَناسِكَنا وَتُبْ عَلَيْنا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ [ البقرة : 128 ] . وبناء عليه قال بعض العلماء : إن الاستغفار نفسه عبادة كالتسبيح ، فلا يلزم منه وجود ذنب . وقيل : هو تعليم لأمته . وقيل : رفع لدرجاته صلى اللّه عليه وسلم . وقد جاء في السنة ، أنه صلى اللّه عليه وسلم قال : « توبوا إلى اللّه ، فإني أتوب إلى اللّه في اليوم مائة مرة » « 1 » ، فتكون أيضا من باب الاستكثار من الخير ، والإنابة إلى اللّه .
--> ( 1 ) أخرجه : مسلم في الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار حديث 41 و 42 ، وأبو داود في