الشنقيطي

320

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

وهناك فتوحات موعود بها بعد فتح مكة نص صلى اللّه عليه وسلم عليها منها في غزوة الأحزاب وهم يحفرون الخندق ، لما اعترضتهم كدية وأعجزتهم ، ودعى إليها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : فأخذ ماء وتمضمض ودعا ما شاء اللّه أن يدعو ثم ضرب ، فكانت كالكثيب . وقد جاء فيها ابن كثير بعدة روايات وطرق مختلفة ، وكلها تذكر أنه صلى اللّه عليه وسلم ضرب ثلاث ضربات ، فأبرقت تحت كل ضربة برقة ، وكبّر صلى اللّه عليه وسلم عند كل واحدة منها ، فسألوه فقال « في الأولى : أعطيت مفاتيح فارس » وذكر اليمن والشام ، وكلها روايات لا تخلو من نقاش ، ولكن لكثرتها يقوي بعضها بعضا . وأقواها رواية النسائي بسنده قال : « لما مر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بحفر الخندق ، عرضت لهم صخرة حالت بينهم وبين الحفر ، فقام النّبي صلى اللّه عليه وسلم وأخذ المعول ووضع رداءه ناحية الخندق ، وقال : وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا ، لا مبدل لكلماته وهو السميع العليم ، فندر ثلث الحجر وسلمان الفارسي قائم ينظر ، فبرق مع ضربة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم برقة ثم ضرب الثانية ، وقرأ ما قرأه أولا ، وبرقت أيضا . ثم الثالثة ، وخرج رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وقد تكسرت ، فأخذ رداءه صلى اللّه عليه وسلم وجلس ، فسأله سلمان لما رأى من البرقات الثلاث : فقال له : أرأيت ذلك ؟ قال : أي والذي بعثك بالحق يا رسول اللّه ، فأخبرهم أنه رفعت له في الأولى مدائن كسرى وما حولها ومدائن كثيرة حتى رآها بعينه ، فقالوا : ادعو اللّه لنا أن يفتح علينا . فدعا لهم ، وفي الثانية : رفعت له مدائن قيصر وما حولها ، وفي الثالثة مدائن الحبشة ، وكلها يطلبون منه صلى اللّه عليه وسلم أن يدعو لهم فتفتح عليهم ، فدعا لهم إلا في الحبشة ، فقال صلى اللّه عليه وسلم : « دعوا الحبشة ما ودعوكم ، واتركوا الترك ما تركوكم » « 1 » انتهى ملخصا . وقد رواه كل من ابن كثير والنسائي مطولا ، فهذه الروايات وإن كانت تحتمل مقالا . فقد جاء في الموطأ ما لا يحتمل مقالا ، ولا شك في صحته ، ولا في دلالته ، وهو ما رواه مالك عن هشام عن عروة عن أبيه عن عبد اللّه بن الزبير عن سفيان بن أبي زهير أنه قال : سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول : « يفتح اليمن فيأتي قوم يبسون فيتحملون بأهليهم ومن أطاعهم ، والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون ، وتفتح الشام ،

--> ( 1 ) أخرجه النسائي في الجهاد ، باب غزوة الترك والحبشة .