الشنقيطي
319
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللَّهِ [ البقرة : 214 ] ، فهم يتطلعون إلى النصر . ويأتيهم الجواب أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ [ البقرة : 214 ] . وجاء قوله صلى اللّه عليه وسلم : « نصرت بالرعب مسيرة شهر » « 1 » . وقد قال تعالى لموسى وأخيه لا تَخافا إِنَّنِي مَعَكُما أَسْمَعُ وَأَرى [ طه : 46 ] ، فهو نصر معية وتأييد ، فالنصر هنا عام . وكذلك الفتح في الدين بانتشار الإسلام ، وأعظم الفتح فتحان : فتح الحديبية ، وفتح مكة . إذ الأول تمهيد للثاني ، والثاني قضاء على دولة الشرك في الجزيرة ، ويدل لإرادة العموم في النصر والفتح . قوله تعالى : وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْواجاً ( 2 ) . فكأن الناس يأتون من كل جهة حتى من اليمن ، وهذا يدل على كمال الدعوة ونجاح الرسالة . ويدل لهذا مجيء آية الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً [ المائدة : 3 ] ، وكان نزولها في حج تلك السنة . ويلاحظ أن النصر هنا جاء بلفظ نصر اللّه ، وفي غير هذا جاء نصر اللّه ، وما النصر إلا من عند اللّه . ومعلوم أن هذه الإضافة هنا لها دلالة تمام وكمال ، كما في بيت اللّه . مع أن المساجد كلها بيوت للّه ، فهو مشعر بالنصر كل النصر ، أو بتمام النصر كله لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . والفتح ، هنا قيل : هو فتح مكة ، وقيل فتح المدائن وغيرها . وتقدمت الإشارة إلى فتوحات عديدة ، قبل مكة .
--> ( 1 ) سبق تخريجه في الجزء الثاني .