الشنقيطي
281
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
وقوله : قالَ يا وَيْلَتى أَ عَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هذَا الْغُرابِ فَأُوارِيَ سَوْأَةَ أَخِي [ المائدة : 31 ] . فالظاهر : أنها كلمة تقال عند الشدة والهلكة ، أو شدة التعجب مما يشبه المستبعد . والذي يشهد له القرآن : هو هذا المعنى ، وسبب الخلاف قد يرجع لمجيئها تارة مطلقة كقوله : وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ [ المرسلات : 15 ] ، وهنا وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ [ الهمزة : 1 ] . ويجيء مع ذكر ما يتوعد به كقوله : فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ ( 27 ) [ ص : 27 ] ، وقوله : فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ عَذابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ ( 65 ) [ الزخرف : 65 ] ، فذكر النار والعذاب الأليم . وكذلك قوله : فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ [ مريم : 37 ] ، فهي في هذا كله للوعيد الشديد ، مما ذكر معها من النار والعذاب الأليم ومشهد يوم عظيم ، وليست مقصودة بذاتها دون ما ذكر معها ، والعلم عند اللّه تعالى . وقوله : هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ ، قيل : هما بمعنى واحد ، وهو الغيبة . وأنشد ابن جرير قول زياد الأعجم : تدلى بودي إذا لاقيتني كذبا * وإن أغيب فأنت الهامز الهمزة وعزا هذا لابن عباس ، وهو الذي يصيب الناس ويطعن فيهم . وقد جاء في القرآن استعمال كل من الكلمتين مفردة عن الأخرى ، بما يدل على المغايرة . ففي الهمزة قوله : وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ [ القلم : 10 - 11 ] ، مما يدل على الكذب والنميمة . وفي الهمزة قوله تعالى : وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلا تَنابَزُوا بِالْأَلْقابِ [ الحجرات : 11 ] . وقوله : وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقاتِ [ التوبة : 58 ] ، مما يدل على أنها أقرب