الشنقيطي

263

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ [ الزخرف : 89 ] . وهذا الزجر هنا والتحذير لهم ردا على ما كانوا عليه في التكاثر . كما قال الشاعر : ولست بالأكثر منهم حصى * وإنما العزة للكاثر وأصرح دليل لإثبات عذاب القبر من القرآن ، هو قوله تعالى : النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذابِ [ غافر : 46 ] ، لأن الأول في الدنيا ، والثاني في الآخرة . قوله تعالى : كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ ( 5 ) لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ ( 6 ) ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَيْنَ الْيَقِينِ ( 7 ) [ 5 - 7 ] . لو : هنا شرطية ، جوابها محذوف باتفاق قدره ابن كثير أي لو علمتم حق العلم ، لما ألهاكم التكاثر عن طلب الآخرة ، حتى صرتم إلى المقابر ، وعلم اليقين : أجاز أبو حيان إضافة الشيء لنفسه ، أي لمغايرة الوصف ، إذ العلم هو اليقين ، ولكنه آكد منه . وعن حسان قوله : سرنا وساروا إلى بدر لحتفهم * لو يعلمون يقين العلم ما ساروا ولترون الجحيم : جواب لقسم محذوف . وقال : المراد برؤيتها عند أول البعث ، أو عند الورود ، أو عندما يتكشف الحال في القبر . ثم لترونها عين اليقين : قيل : هذا للكافر عند دخولها ، هذا حاصل كلام المفسرين . ومعلوم أن هذا ليس لمجرد الإخبار برؤيتها ، ولكن وعيد شديد وتخويف بها ، لأن مجرد الرؤية معلوم . وإن منكم إلا واردها ، ولكن هذه الرؤية أخص ، كما في قوله : وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُواقِعُوها [ الكهف : 53 ] ، أي أيقنوا بدليل قوله : وَلَمْ يَجِدُوا عَنْها مَصْرِفاً [ الكهف : 53 ] .