الشنقيطي

264

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

وقد يبدو وجه في هذا المقام ، وهو أن الرؤية هنا للنار نوعان : الرؤية الأولى : رؤية علم وتيقن ، في قوله : لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ ، علما تستيقنون به حقيقة يوم القيامة لأصبحتم بمثابة من يشاهد أهواله ويشهد بأحواله ، كما في حديث الإحسان : « أن تعبد اللّه كأنك تراه » « 1 » . وقد وقع مثله في قصة الصديق لما أخبر نبأ الإسراء ، فقال : « صدق محمد ، فقالوا : تصدقه وأنت لم تسمع منه ؟ قال : إني لأصدقه على أكثر من ذلك » « 2 » . فلعلمه علم اليقين بصدقه صلى اللّه عليه وسلم فيما يخبر ، صدق بالإسراء كأنه يراه . وتكون الرؤية الثانية ، رؤية عين ومشاهدة ، فهو عين اليقين . وقد قدمنا مراتب العلم الثلاث : علم اليقين ، وعين اليقين ، وحق اليقين . فالعلم : ما كان عن دلائل . وعين اليقين : ما كان عن مشاهدة . وحق اليقين : ما كان عن ملابسة ومخالطة ، كما يحصل العلم بالكعبة ، ووجهتها فهو علم اليقين ، فإذا رآها فهو عين اليقين بوجودها . فإذا دخلها وكان في جوفها فهو حق اليقين بوجودها . واللّه تعالى أعلم . قوله تعالى : ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ [ 8 ] . أصل النعيم كل حال ناعمة من النعومة والليونة ، ضد الخشونة واليبوسة ، والشدائد ، كما يشير إليه قوله تعالى : وَما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ [ النحل : 53 ] . ثم قال : إِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْئَرُونَ [ النحل : 53 ] ، فقابل النعمة بالضر . ومثله قوله تعالى : وَلَئِنْ أَذَقْناهُ نَعْماءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئاتُ عَنِّي [ هود : 10 ] . وعلى هذا فإن نعم اللّه عديدة ، كما قال : وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها [ النحل : 18 ] .

--> ( 1 ) سبق تخريجه في الجزء السادس . ( 2 ) أخرجه عن عائشة الحاكم في المستدرك ، كتاب معرفة الصحابة 3 / 62 ، 76 ، 77 .