الشنقيطي

260

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

وجاء « لعن اللّه زوّارات القبور والمتّخذات عليهن السرج » « 1 » إلى آخره . فعلى صيغة المبالغة : زوّارات لا تشمل مطلق الزيارة ، وإنما تختص للمكثرات ، لأنهن بالإكثار لا يسلمن من عادات الجاهلية من تعداد مآثر الموتى المحظور في أصل الآية . أما مجرد زيارة بدون إكثار ولا مكث ، فلا . واستدلوا لذلك بحديث عائشة رضي اللّه عنها لما ذكر لها صلى اللّه عليه وسلم ، السلام على أهل البقيع ، فقالت : « وماذا أقول يا رسول اللّه ، إن أنا زرت القبور ؟ قال : قولي : السلام عليكم آل دار قوم مؤمنين » الحديث . فأقرها صلى اللّه عليه وسلم ، على أنها تزور القبور وعلمها ماذا تقول إن هي زارت . وكذلك بقصة مروره على المرأة التي تبكي عند القبر فكلّمها ، فقالت : إليك عني ، وهي لا تعلم من هو ، فلما ذهب عنها قيل لها : إنه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، جاءت تعتذر فقال لها : « إنما الصبر عند الصدمة الأولى » « 2 » . ولم يذكر لها المنع من زيارة القبور ، مع أنه رآها تبكي . وهذه أدلة صريحة في السماح بالزيارة . ومن ناحية المعنى ، فإن النتيجة من الزيارة للرجال من في حاجة إليها كذلك ، وهي كون زيارة القبور تزهّد في الدنيا وترغّب في الآخرة . وليست هذه بخاصة في الرجال دون النساء ، بل قد يكن أحوج إليه من الرجال . وعلى كل ، فإن الراجح من هذه النصوص واللّه تعالى أعلم ، هو الجواز لمن لم يكثرن ولا يتكلمن بما لا يليق ، مما كان سببا للمنع الأول ، والعلم عند اللّه تعالى . تنبيه آخر من لطائف القول في التفسير ، ما ذكره أبو حيان عن التكاثر في قوله : حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقابِرَ [ التكاثر : 2 ] ، ما نصه :

--> ( 1 ) أخرجه عن ابن عباس الحاكم في المستدرك ، كتاب الجنائز 1 / 374 . ( 2 ) أخرجه عن أنس بن مالك : البخاري في الجنائز حديث 1283 ، ومسلم في الجنائز حديث 15 .