الشنقيطي
261
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
وقيل هذا تأنيب على الإكثار من زيارة ، تكثيرا بمن سلف وإشادة بذكره ، وكان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم نهى عن زيارة القبور ثم قال : « فزوروها » أمر إباحة للاتعاظ بها ، لا لمعنى المباهاة والتفاخر . ثم قال : قال ابن عطية : كما يصنع الناس في ملازمتها وتسنيمها بالحجارة والرخام وتلوينها شرفا ، وبيان النواويس عليها ، أي الفوانيس ، وهي السرج . ثم قال أبو حيان ، وابن عطية : لم ير إلا قبور أهل الأندلس ، فكيف لو رأى ما يتباهى به أهل مصر في مدافنهم بالقرافة الكبرى والقرافة الصغرى ، وباب النصر وغير ذلك . وما يضيع فيها من الأموال ، لتعجب من ذلك ولرأى ما لم يخطر ببال . وأما التباهي بالزيارة : ففي هؤلاء المنتمين إلى الصوفية أقوام ليس لهم شغل إلا زيارة القبور : زرت قبر سيدي فلان بكذا ، وقبر فلان بكذا ، والشيخ فلان بكذا ، والشيخ فلانا بكذا ، فيذكرون أقاليم طافوها على قدم التجريد . وقد حفظوا حكايات عن أصحاب تلك القبور وأولئك المشايخ ، بحيث لو كتبت لجاءت أسفارا . وهم مع ذلك لا يعرفون فروض الوضوء ولا سننه . وقد سخر لهم الملوك وعوام الناس في تحسين الظن بهم وبذل المال لهم ، وأما من شذ منهم لأنه يتكلم للعامة فيأتي بعجائب ، يقولون : هذا فتح من العلم اللدني على الخضر . حتى إن من ينتمي إلى العلم ، لما رأى رواج هذه الطائفة سلك مسلكهم ، ونقل كثيرا من حكاياتهم ، ومزج ذلك بيسير من العلم طلبا للمال والجاه وتقبيل اليد . ونحن نسأل اللّه عز وجل أن يوفقنا لطاعته . ا ه . بحروفه . وهذا الذي قاله رحمه اللّه من أعظم ما افتتن به المسلمون في دينهم ودنياهم معا . أما في دينهم : فهو الغلو الذي نهى عنه صلى اللّه عليه وسلم ، صيانة للتوحيد ، من سؤال غير اللّه . وأما في الدنيا فإن الكثير من هؤلاء يتركون مصالح دنياهم من زراعة أو تجارة