الشنقيطي
243
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
وعلى القول الأول : فالإبل تغير بالحجاج صبحا من مزدلفة إلى منى يوم النحر . فأثرن به نقعا : أي غبارا . قال به . أي : بالصبح أو به . أي بالعدو . والمفهوم من العاديات : توسطن به جمعا ، أي دخلن في وسط جمع أي خلق كثير من الكفار . ونظير هذا المعنى قول بشر بن أبي خازم : فوسطن جمعهم وأفلت حاجب * تحت العجاجة في الغبار الأقتم وعلى القول الثاني الذي يقول : العاديات الإبل تحمل ، الحجيج . فمعنى قوله : فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعاً ، أي صرن بسبب ذلك العدو ، وسط جمع . وهي المزدلفة ، وجمع اسم من أسماء المزدلفة . ويدل لهذا المعنى قول صفية بنت عبد المطلب ، عمة النّبي صلى اللّه عليه وسلم وأم الزبير بن العوام رضي اللّه عنهما : فلا والعاديات مغبرات جمع * بأيدها إذا سطح الغبار وهذا الذي ساقه الشيخ رحمة اللّه تعالى علينا وعليه ، قد جمع أقوال جميع المفسرين في هذه الآيات ، وقد سقته بحروفه لبيانه للمعنى كاملا . ولكن مما قدمه رحمة اللّه تعالى علينا وعليه أن من أنواع البيان في الأضواء : أنه إذا اختلف علماء التفسير في معنى وفي الآية قرينة . ترد أحد القولين أو تؤيد أحدهما فإنه يشير إليه . وقد وجد اختلاف المفسرين في هذه الآيات في نقطة أساسية من هذه الآيات مع اتفاقهم في الألفاظ ، ومعانيها والأسلوب وتراكيبه . ونقطة الخلاف هي معنى الجمع الذي توسطن به ، أهو المزدلفة لأن من أسمائها جمعا كما في الحديث : « وقفت ها هنا وجمع كلها موقف » « 1 » . وهذا مروي عن علي رضي اللّه عنه ، في نقاش بينه وبين ابن عباس . ساقه ابن جرير « 2 » .
--> ( 1 ) سبق تخريجه في الجزء الخامس . ( 2 ) أخرجه عن ابن عباس ابن جرير الطبري في جامع البيان 30 / 179 .