الشنقيطي
244
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
أم الجمع جمع الجيش في القتال على ما تقدم ، وهو قول ابن عباس وغيره . حكاه ابن جرير وغيره . وقد وجدنا قرائن عديدة في الآية تمنع من إرادة المزدلفة بمعنى جمع ، وهي كالآتي : أولا وصف الخيل أو الإبل على حد سواء بالعاديات ، حتى حد الضبح وورى النار بالحوافر وبالحصا ، لأنها أوصاف تدل على الجري السريع . ومعلوم أن الإفاضة من عرفات ثم من المزدلفة لا تحتمل هذا العدو ، وليس هو فيها بمحمود ، لأنه صلى اللّه عليه وسلم كان ينادي « السكينة السكينة » فلو وجد لما كان موضع تعظيم وتفخيم . ثانيا : أن المشهور أن إثارة النقع من لوازم الحرب ، كما قاله بشار : كأن مثار النقع فوق رؤوسنا * وأسيافنا ليل تهاوى كواكبه أي : لشدة الكر والفر . ثالثا : قوله تعالى : فَالْمُغِيراتِ صُبْحاً ( 3 ) فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعاً ( 4 ) فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعاً [ العاديات : 3 - 5 ] ، جاء مرتبا بالفاء ، وهي تدل على الترتيب والتعقيب . وقد تقدم المغيرات صبحا ، وبعدها فوسطن به جمعا . وجمع هي المزدلفة ، وإنما يؤتى إليها ليلا . فكيف يقرن صبحا ، ويتوطن المزدلفة ليلا . وعلى ما حكاه الشيخ رحمة اللّه تعالى علينا وعليه ، أنهم يغيرون صبحا من المزدلفة إلى منى ، تكون تلك الإغارة صبحا بعد التوسط بجمع ، والسياق يؤخرها عن الإغارة ولم يقدمها عليها . فتبين بذلك أن إرادة المزدلفة غير متأتية في هذا السياق . ويبقى القول الآخر وهو الأصح . واللّه تعالى أعلم . ولو رجعنا إلى نظرية ترابط السور لكان فيها ترشيحا لهذا المعنى ، وهو أنه في السورة السابقة ، ذكرت الزلزلة وصدور الناس أشتاتا ليروا أعمالهم . وهنا حث على أفضل الأعمال التي تورث الحياة الأبدية والسعادة الدائمة في صورة مماثلة ، وهي عدوهم أشتاتا في سبيل اللّه لتحصيل ذاك العمل الذي يحبون