الشنقيطي

232

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

وللقرطبي مبحث في ذلك : مبناه على أصل المادة وورود النصوص من جهة أصل المادة إن كانت البرية مأخوذة من البري وهو التراب . فلا تدخل الملائكة تحت هذا التفضيل وإلا فتدخل . وأما من جهة النصوص ، فقال في سورة البقرة عند قوله : قالَ يا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمائِهِمْ [ البقرة : 33 ] ، قال المسألة الثالثة : اختلف العلماء في هذا الباب أيهما أفضل ، الملائكة أو بنو آدم ؟ على قولين ، فذهب قول إلى أن الرسل من البشر أفضل من الرسل من الملائكة ، والأولياء من البشر أفضل من الأولياء من الملائكة . وذهب آخرون إلى أن الملأ الأعلى أفضل ، واحتج من فضل الملائكة بأنهم عباد مكرمون لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون لا يعصون اللّه ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون . وقوله : قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ [ الأنعام : 50 ] . وبما في البخاري يقول اللّه : « من ذكرني في ملأ ذكرته في ملإ خير منه » « 1 » وهذا نص على أن الملأ الأعلى خير من ملا الأرض . واحتج من فضل بني آدم بقوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ [ البينة : 7 ] ، بالهمز من برأ اللّه الخلق ، وقوله صلى اللّه عليه وسلم : « إن الملائكة لتضع أجنحتها رضا لطالب العلم » أخرجه أبو داود . وبأن اللّه يباهي بأهل عرفات الملائكة ، ولا يباهي إلا بالأفضل واللّه تعالى أعلم . وقال بعض العلماء : ولا طريق إلى القطع بأن الملائكة خير منهم ، لأن طريق ذلك خبر اللّه ، وخبر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، أو إجماع الأمة . وليس ها هنا شيء من ذلك خلافا للقدرية والقاضي أبي بكر ، حيث قالوا : الملائكة أفضل . قال : وأما من قال من أصحابنا والشيعة : إن الأنبياء أفضل ، لأن اللّه تعالى أمر الملائكة بالسجود لآدم ، إلى آخره .

--> ( 1 ) أخرجه عن أبي هريرة البخاري في التوحيد حديث 7405 .