الشنقيطي
233
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
ثم رد هذا الاستدلال . وقد سقنا هذا البحث لبيان الخلاف في هذه المسألة المشتمل عليها لفظ البرية ، وأعتقد أن المفاضلة جزئية لا كلية ، وذلك أن جنس البشر خلاف جنس الملائكة ، والملائكة فيهم النص بأنهم عِبادٌ مُكْرَمُونَ [ الأنبياء : 26 ] ، والبشر فيهم النص * وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ [ الإسراء : 70 ] ، والفرق بينهما ، كالفرق بين الاسم والفعل في الدلالة . ففي الملائكة بالاسم : مكرمون ، وهو يدل على الدوام والثبوت ، وفي بني آدم كرمنا ، وهو يدل على التجدد والحدوث . وهذا هو الواقع ، فالتكريم ثابت ولازم ودائم للملائكة بخلافه في بني آدم إذ فيهم وفيهم ، ولا يبعد أن يقال : إن التفضيل في الأعمال من حيث صدورها من بني آدم ومن الملائكة ، إذ الملائكة تصدر عنها أعمال الخير جبلة أو بدون نوازع شر ، بخلاف بني آدم ، وإن أعمال الخير تصدر عنها بمجهود مزدوج ، حيث ركبت فيه النفس اللوامة والأمارة بالسوء . ونحو ذلك من الجانب الحيواني . وازدواجية المجهود ، هو أنه ينازع عوامل الشر حتى يتغلب عليها ، ويبذل الجهد في فعل الخير ، فهو يجاهد للتخليص من نوازع ثم الشر ، هو يجاهد للقيام بفعل الخير ، وهذا مجهود يقتضي التفضيل على المجهود من جانب واحد . وقد جاء في السنة ما يشهد لذلك ، لما ذكر صلى اللّه عليه وسلم لأصحابه « أن يأتي بعدهم من أن العامل منهم له أجر خمسين ، فقالوا : خمسين منا أو منهم يا رسول اللّه قال : بل خمسين منكم ، لأنكم تجدون أعوانا على الخير وهم لا يجدون » « 1 » . وحديث « سبق درهم مائة ألف درهم » « 2 » وبين صلى اللّه عليه وسلم ، أن الدرهم سبق الأضعاف المضاعفة ، لأنه ثاني اثنين فقط ، والمائة ألف جزء من مجموع كثير . فالنفس التي تجود بنصف ما تملك ، ولا يتبقى لها إلا درهم ، خير بكثير ممن تنفق جزءا ضئيلا مما تملك ويتبقى لها المال الكثير ، فكانت عوامل التصدق ودوافعه
--> ( 1 ) أخرجه عن أبي أمية الشعباني : أبو داود في الملاحم حديث 4341 ، والترمذي في تفسير القرآن حديث 3058 ، وابن ماجة في الفتن حديث 4014 . ( 2 ) أخرجه عن أبي هريرة النسائي في الزكاة ، باب جهد المقل .