الشنقيطي
199
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
ما تَفْعَلُونَ [ الانفطار : 11 - 12 ] ، إذا قلنا إن الكتابة في ذلك تستلزم قلما ، كما هو الظاهر . خامسها : القلم الذي بأيدي الناس يكتبون به ما يعلمهم اللّه ، ومن أهمها أقلام كتاب الوحي ، الذين كانوا يكتبون الوحي بين يدي رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وكتابة سليمان لبلقيس . وقوله تعالى : الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ ، شامل لهذا كله ، إذا كان هذا كله شأن القلم وعظم أمره ، وعظيم المنة به على الأمة ، بلى وعلى الخليقة كلها . وقد افتتحت الرسالة بالقراءة والكتابة ، فلماذا لم يكن النّبي صلى اللّه عليه وسلم الذي أعلن عن هذا الفضل كله للقلم ! لم يكن هو كاتبا به ، ولا من أهله بل هو أمي لا يقرأ ولا يكتب ، كما في قوله : هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ [ الجمعة : 2 ] . والجواب : أنا أشرنا أولا إلى ناحية منه ، وهي أنه أكمل للمعجزة ، حيث أصبح النّبي الأمي معلما كما قال تعالى : يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ [ آل عمران : 164 ] . وثانيا : لم يكن هذا النّبي الأمي مغفلا شأن القلم ، بل عنى به كل العناية ، وأولها وأعظمها أنه اتخذ كتّابا للوحي يكتبون ما يوحى إليه بين يديه ، مع أنه يحفظه ويضبطه ، وتعهد اللّه له بحفظه وبضبطه في قوله تعالى : سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى ( 6 ) إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ [ الأعلى : 6 - 7 ] ، حتى الذي ينساه يعوضه اللّه بخير منه أو مثله ، كما في قوله تعالى : * ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها [ البقرة : 106 ] ، ووعد اللّه تعالى بحفظه في قوله : إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ [ الحجر : 9 ] . ومع ذلك ، فقد كان يأمر بكتابة هذا المحفوظ وكان له عدة كتاب ، وهذا غاية في العناية بالقلم . وذكر ابن القيم من الكتاب الخلفاء الأربعة ، ومعهم تتمة سبعة عشر شخصا ، ثم لم يقتصر صلى اللّه عليه وسلم في عنايته بالقلم والتعليم به عند كتابة الوحي ، بل جعل التعليم به أعم ، كما جاء خبر عبد اللّه بن سعيد بن العاص « أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أمره أن يعلّم الناس الكتابة بالمدينة ، وكان كاتبا محسنا » ذكره صاحب الترتيبات الإدارية عن ابن عبد البر في الاستيعاب .