الشنقيطي
195
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ [ الزخرف : 87 ] . ولأن كل مخلوق لا بد له من خالق أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخالِقُونَ [ الطور : 35 ] ، وقد أطلق صفة الخلق عن ذكر مخلوق ليعم ويشمل الوجود كله ، خالق كل شيء في قوله : ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ [ الأنعام : 102 ] . اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ [ الزمر : 62 ] . هُوَ اللَّهُ الْخالِقُ الْبارِئُ الْمُصَوِّرُ [ الحشر : 24 ] . وتلك المسائل الثلاث : هي الأصول في الرسالة وما بعدها دلالة عليها ، فالأمر بالقراءة تكليف لتحمل الوحي ، وباسم ربك بيان لجهة التكليف ، والذي خلق تدليل لتلك الجهة ، أي الرسالة والرسول والمرسل مع الدليل المجمل . ولا شك أن المرسل إليهم لم يؤمنوا ولا بواحدة منها ، فكان لا بد من إقامة الأدلة على ثبوتها بالتفصيل . ولما كانت جهة المرسل هي الأساس وهي المصدر ، كان التدليل عليها أولا ، فجاء التفصيل في شأنها بما يسلمون به ويسلمونه في أنفسهم ، وهي المسألة الرابعة . والخامسة : خلق الإنسان من علق ، وهذا تفصيل بعد إجمال ببيان للبعض من الكل فالإنسان بعض مما خلق ، وذكره من ذكر العام بعد الخاص أولا ، ومن إلزامهم بما يسلمون به ثم لانتقالهم مما يعلمون ، ويقرون به إلى ما لا يعلمون وينكرون . وفي ذكر الإنسان بعد عموم الخلق تكريم له ، كذكر الروح بعد عموم الملائكة ، تنزل الملائكة والروح فيها ونحوه ، والإنسان هنا الجنس بدليل الجمع في علق جمع علقة ، ولأنه أوضح دلالة عنده ، ليستدل بنفسه من نفسه كما سيأتي . وقوله : مِنْ عَلَقٍ ، وهو جمع علقة ، وهي القطعة من الدم ، كالعرق أو الخيط بيان على قدرته تعالى ، وذلك لأنهم يشاهدون ذلك أحيانا فيما تلقى به الرحم ، ويعلمون أنه مبدأ خلقة الإنسان . فالقادر على إيجاد إنسان في أحسن تقويم من هذه العلقة ، قادر على جعلك قارئا وإن لم تكن تعلم القراءة من قبل ، كما أوجد الإنسان من تلك العلقة ولم يكن