الشنقيطي
196
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
موجودا من قبل ، ولأن الذي يتعهد تلك العلقة حتى تكتمل إنسانا يتعهدها بالرسالة . وقد يكون في اختيار الإنسان بالذات وبخصوصه لتفصيل مرحلة وجوده ، أن غيره من المخلوقات لم تعلم مبادئ خلقتها كعلمهم بالإنسان ، ولأن الإنسان قد مر ذكره في السورة قبلها لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ [ التين : 4 ] ، فبين أنه من هذه العلقة كان في أحسن تقويم ، ومن حسن تقويم إنزال الكتاب القيم . وقال شيخ الإسلام ابن تيمية : إن المقام هنا مقام دلالة على وجود اللّه ، فبدأ بما يعرفونه ويسلمون به للّه ، ولم يبدأ من النطفة أو التراب ، لأن خلق آدم من تراب لم يشاهدوه ، ولأن النطفة ليست بلازم لها خلق الإنسان ، فقد تقذف في غير رحم كالمحتلم ، وقد تكون فيه ، ولا تكون مخلقة . ا ه . وهذا في ذاته وجيه ، ولكن لا يبعد أن يقال : إن السورة في مستهل الوحي وبدايته ، فهي كالذي يقول : إذا كنت بدأت بالوحي إليه ولم يكن من قبل ، ولم يوجد منه شيء بالنسبة إليك ، فليس هو بأكثر من إيجاد الإنسان من علقة ، بعد أن لم يكن شيئا . وعليه يقال : لقد تركت مرحلة النطفة مقابل مرحلة من الوحي ، قد تركت أيضا وهي فترة الرؤيا الصالحة ، كما في الصحيحين « أنه صلى اللّه عليه وسلم كان أول ما بدىء به الوحي الرؤيا الصالحة ، يراها فتأتي كفلق الصبح » فكان ذلك إرهاصا للنبوة وتمهيدا لها لمدة ستة أشهر ، ولذا قال صلى اللّه عليه وسلم : « الرؤيا الصالحة يراها الرجل الصالح ، أو ترى له جزء من ست وأربعين جزءا من النبوة » « 1 » وهي نسبة نصف السنة من ثلاث وعشرين مدة الوحي ، ولكن الرؤيا الصالحة قد يراها الرجل الصالح ، ومثل ذلك تماما فترة النطفة ، فقد تكون النطفة ولا يكون الإنسان ، كما تكون الرؤيا ولا تكون النبوة ، أما العلقة فلا تكون إلا في رحم وقرار مكين ، ومن ثم يأتي الإنسان مخلقا كاملا ، أو غير مخلق على ما يقدر له . فلما كانت فترة النطفة ليست بلازمة لخلق الإنسان ، وكان مثلها فترة الرؤية
--> ( 1 ) أخرجه عن أنس بن مالك : البخاري في التعبير حديث 6983 و 6988 ، ومسلم في الرؤيا حديث 7 ، وأخرجه عن عبادة بن الصامت : البخاري في التعبير حديث 6987 ، ومسلم في الرؤيا حديث 7 ، وأخرجه عن أبي هريرة : البخاري في التعبير حديث 6988 ، ومسلم في الرؤيا حديث 8 ، وأخرجه عن أبي سعيد الخدري البخاري في التعبير حديث 6989 .