الشنقيطي
181
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
بلى إن قوله صلى اللّه عليه وسلم : « مروا أبا بكر فليصلّ بالناس » « 1 » كان بعده ، وفي قرب فراغه صلى اللّه عليه وسلم من النبوة ، إذ كان في مرضه الذي مات فيه . فإن احتج الشيعي بالفراغ من حجة الوداع ، رده السني بأن الآية قبل ذلك . انتهى . وعلى كل إذا كان الشيعة يحتجون بها ، فيكفي لرد احتجاجهم أنها شاذة ، وتتبع الشواذ قريب من التأويل المسمى باللعب عند علماء التفسير ، وهو صرف اللفظ عن ظاهره ، لا لقرينة صارفة ولا علاقة رابطة . ومن اللعب في التأويل في هذه الآية ، ما يفعله بعض العوام : رأيت رجلا عاميا عاديا ، قد لبس حلة كاملة من عمامة وثوب صقيل وحزام جميل مما يسمونه نصبة ، أي بدلة كاملة ، فقال له رجل : ما هذه النصبة يا فلان ؟ فقال له : لما فرغت من عملي نصبت ، كما قال تعالى : فَإِذا فَرَغْتَ فَانْصَبْ . كما سمعت آخر يتوجع لقلة ما في يده ، ويقول لزميله : ألا تعرف لي شخصا أنصب عليه ، أي آخذ قرضة منه ، فقلت له : ولم تنصب عليه ؟ والنصب كذب وحرام . فقال : إذا لم يكن عند الإنسان شيء ، ويده خالية فلا بأس ، لأن اللّه قال : فَإِذا فَرَغْتَ فَانْصَبْ ، وهذا وأمثاله مما يتجرأ عليه العامة لجهلهم ، أو أصحاب الأهواء لنحلهم . قوله تعالى : وَإِلى رَبِّكَ فَارْغَبْ ( 8 ) [ 8 ] . التقديم هنا مشعر بالتخصيص وهو كقوله تعالى : إِيَّاكَ نَعْبُدُ [ الفاتحة : 5 ] ، أي لا نعبد غيرك : وهكذا هنا لا ترغب إلى غيره سبحانه ، كأنه يقول : الذي أنعم عليك بكل ما تقدم ، هو الذي ترغب فيما عنده لا سواه .
--> ( 1 ) أخرجه عن عائشة البخاري في أحاديث الأنبياء حديث 3384 و 3385 .