الشنقيطي
175
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
قومي فإنهم لا يعلمون ، إني لأرجو أن يخرج اللّه من أصلابهم من يقول : لا إله إلا اللّه محمد رسول اللّه » . وتلك أعظم نعمة وأقوى عدة في تبليغ الدعوة وتحمل أعباء الرسالة ، ولذا توجه نبي اللّه موسى إلى ربه يطلبه إياها ، لما كلف الذهاب إلى الطاغية فرعون كما في قوله تعالى : اذْهَبْ إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى ( 24 ) قالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي ( 25 ) وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي ( 26 ) وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسانِي ( 27 ) يَفْقَهُوا قَوْلِي ( 28 ) وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي ( 29 ) هارُونَ أَخِي ( 30 ) اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي ( 31 ) [ طه : 24 - 31 ] إلى آخر السياق . فذكر هنا من دواعي العون على أداء الرسالة أربعة عوامل : بدأها بشرح الصدر ، ثم تيسير الأمر ، وهذان عاملان ذاتيان ، ثم الوسيلة بينه وبين فرعون ، وهو اللسان في الإقناع ، وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسانِي ( 27 ) يَفْقَهُوا قَوْلِي [ طه : 27 - 28 ] ، ثم العامل المادي أخيرا في المؤازرة ، وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي ( 29 ) هارُونَ أَخِي ( 30 ) اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي [ طه : 29 - 31 ] ، فقدم شرح الصدر على هذا كله لأهميته ، لأنه به يقابل كل الصعاب ، ولذا قابل به ما جاء به السحرة من سحر عظيم ، وما قابلهم به فرعون من عنت أعظم . وقد بين تعالى من دواعي انشراح الصدر وإنارته ، ما يكون من رفعة وحكمة وتيسير ، وقد يكون من هذا الباب مما يساعد عليه تلقي تلك التعاليم من الوحي ، كقوله تعالى : خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ ( 199 ) [ الأعراف : 199 ] ، وكقوله : وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ [ آل عمران : 134 ] ، مما لا يتأتى إلا ممن شرح اللّه صدره . ومما يعين الملازمة عليه على انشراح الصدر ، وفعلا قد صبر على أذى المشركين بمكة ومخادعة المنافقين بالمدينة ، وتلقى كل ذلك بصدر رحب . وفي هذا كما قدمنا توجيه لكل داعية إلى اللّه ، أن يكون رحب الصدر هادىء النفس متجملا بالصبر . وقوله : وَوَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ ، والوضع يكون للحط والتخفيف ، ويكون للحمل والتثقيل ، فإن عدي بعن كان للحط ، وإن عدي بعلى كان للحمل ، في قولهم : وضعت عنك ، ووضعت عليك ، والوزر لغة الثقل .