الشنقيطي
174
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
فقيل : هو شق الصدر سواء كان مرة أو أكثر ، وغسله وملؤه إيمانا وحكمه ، كما في رواية مالك بن صعصعة في ليلة الإسراء ، ورواية أبي هريرة في غيرها . وفيه كما في رواية أحمد : أنه شق صدره وأخرج منه الغل والحسد ، في شيء كهيئة العلقة ، وأدخلت الرأفة والرحمة . وقيل : شرح الصدر ، إنما هو توسيعه للمعرفة والإيمان ومعرفة الحق ، وجعل قلبه وعاء للحكمة . وفي البخاري عن ابن عباس « شرح اللّه صدره للإسلام » . وعند أبي كثير : نورناه وجعلناه فسيحا رحيبا واسعا ، كقوله فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ [ الأنعام : 125 ] . والذي يشهد له القرآن : أن الشرح هو الانشراح والارتياح . وهذه حالة نتيجة استقرار الإيمان والمعرفة والنور والحكمة . كما في قوله تعالى : أَ فَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ فَهُوَ عَلى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ [ الزمر : 22 ] ، فقوله : فهو على نور من ربه : بيان لشرح الصدر للإسلام . كما أن ضيق الصدر ، دليل على الضلال ، كما في نفس الآية وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً [ الأنعام : 125 ] الآية . وفي حاشية الشيخ زادة علي البيضاوي قال : لم يشرح صدر أحد من العالمين ، كما شرح صدره عليه السلام ، حتى وسع علوم الأولين والآخرين فقال : « أوتيت جوامع الكلم » ا ه . ومراده بعلوم الأولين والآخرين ، ما جاء في القرآن من أخبار الأمم الماضية مع رسلهم وأخبار المعاد ، وما بينه وبين ذلك مما علمه اللّه تعالى . والذي يظهر واللّه تعالى أعلم : أن شرح الصدر الممتن به عليه صلى اللّه عليه وسلم ، أوسع وأعم من ذلك ، حتى إنه ليشمل صبره وصفحه وعفوه عن أعدائه ، ومقابلته الإساءة بالإحسان ، حتى إنه ليسع العدو ، كما يسع الصديق . كقصة عودته من ثقيف : إذ آذوه سفهاؤهم ، حتى ضاق ملك الجبال بفعلهم ، وقال له جبريل : إن ملك الجبال معي ، إن أردت أن يطبق عليهم الأخشبين فعل ، فينشرح صدره إلى ما هو أبعد من ذلك ، ولكأنهم لم يسيؤوا إليه فيقول : « اللهم أهد