الشنقيطي

158

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

الدنيا من صغره إلى شبابه وكبره ، ثم اصطفائه بالرسالة ، ثم حفظه من الناس ، ثم نصره على الأعداء ، وإظهار دينه وإعلاء كلمته . ومن الناحية المعنوية ما جاء في السورة بعدها : أَ لَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ وَوَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ [ الانشراح : 1 - 4 ] . أما خيرية الآخرة على الأولى ، فعلى حد قوله : وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى [ الضحى : 5 ] ، وليس بعد الرضى مطلب ، وفي الجملة : فإن الأولى دار عمل وتكليف وجهاد ، والآخرة دار جزاء وثواب وإكرام ، فهي لا شك أفضل من الأولى . قوله تعالى : وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى ( 5 ) [ 5 ] . جاء مؤكدا باللام وسوف ، وقال بعض العلماء : يعطيه في الدنيا من إتمام الدين وإعلاء كلمة اللّه ، والنصر على الأعداء . والجمهور : أنه في الآخرة ، وهذا وإن كان على سبيل الإجمال ، إلا أنه فصل في بعض المواضع ، فأعظمها ما أشار إليه قوله تعالى : إلا أنه فصل في بعض المواضع ، فأعظمها ما أشار إليه قوله تعالى : عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً [ الإسراء : 79 ] . وجاء في السنة بيان المقام المحمود وهو الذي يغبطه عليه الأولون والآخرون ، كما في حديث الشفاعة العظمى حين يتخلى كل نبي ، ويقول : « نفسي نفسي ، حتى يصلوا إلى النّبي صلى اللّه عليه وسلم فيقول : أنا لها أنا لها » « 1 » إلخ . ومنها : الحوض المورود ، وما خصت به أمته غرا محجلين ، يردون عليه الحوض . ومنها : الوسيلة ، وهي منزلة رفيعة عالية لا تنبغي إلا لعبد واحد ، كما في الحديث : « إذ سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول ، ثم صلوا عليّ وسلوا اللّه لي الوسيلة ، فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلّا لعبد واحد ، وأرجو أن أكون أنا هو » « 2 » .

--> ( 1 ) سبق تخريجه . ( 2 ) أخرجه عن عبد اللّه بن عمرو : مسلم في الصلاة حديث 11 ، وأبو داود في الصلاة حديث 523 .