الشنقيطي
157
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
الدعوة » « 1 » : فذاك عمه في جاهلية وليس على دينه صلى اللّه عليه وسلم ، وهذا أبو بكر الصديق رضي اللّه عنه . قوله تعالى : وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولى ( 4 ) [ 4 ] . خير تأتي مصدرا كقوله : إن ترك خيرا أي مالا كثيرا ، وتأتي أفعل تفضيل محذوفة الهمزة ، وهي هنا أفعل تفضيل بدليل ذكر المقابل ، وذكر حرف من ، مما يدل على أنه سبحانه أعطاه في الدنيا خيرات كثيرة ، ولكن ما يكون له في الآخرة فهو خير وأفضل مما أعطاه في الدنيا ، ويوهم أن الآخرة خير له صلى اللّه عليه وسلم وسلم وحده من الأولى ، ولكن جاء النص على أنها خير للأبرار جميعا ، وهو قوله تعالى : وَما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرارِ [ آل عمران : 198 ] . وتقدم للشيخ رحمة اللّه تعالى علينا وعليه بيان الخيرية للأبرار عند اللّه ، أي يوم القيامة بما أعد لهم ، كما في قوله : إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ [ الانفطار : 13 ] ، وقوله : إِنَّ الْأَبْرارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كانَ مِزاجُها كافُوراً [ الإنسان : 5 ] . أما بيان الخيرية هنا لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فبيان الخير في الدنيا أولا ، ثم بيان الأفضل منه في الآخرة . أما في الدنيا المدلول عليه بأفعل التفضيل ، أي لدلالته على اشتراك الأمرين في الوصف ، وزيادة أحدهما على الآخر ، فقد أشار إليه في هذه السورة والتي بعدها ، ففي هذه السورة قوله تعالى : أَ لَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوى [ الضحى : 6 ] ، أي منذ ولادته ونشأته ، ولقد تعهده اللّه سبحانه من صغره فصانه عن دنس الشرك ، وطهّره وشق صدره ونقاه ، وكان رغم يتمه سيد شباب قريش ، حيث قال عمه عند خطبته خديجة لزواجه بها فقال : « فتى لا يعادله فتى من قريش ، حلما وعقلا وخلقا ، إلا رجح عليه » « 2 » . وقوله : وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى ( 7 ) وَوَجَدَكَ عائِلًا فَأَغْنى ( 8 ) [ 7 - 8 ] . على ما سيأتي بيانه كله ، فهي نعم يعددها تعالى عليه ، وهي من أعظم خيرات
--> ( 1 ) أخرجه عن أبي هريرة : البخاري في الصوم حديث 1897 ، والجهاد والسير حديث 2841 ، وبدء الخلق حديث 3216 ، ومسلم في الزكاة حديث 85 و 86 . ( 2 ) سبق تخريجه في الجزء الثامن .