الشنقيطي
110
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
للوجوه ، قد فصل بينها وبين الموصوف بأجنبي متعلق بصفة أخرى . والتقدير : وجوه خاشعة عاملة ناصبة يومئذ تصلى نارا حامية ، والتقديم والتأخير على خلاف الأصل ، فالأصل إقرار الكلام على نظمه وترتيبه لا تغيير ترتيبه ، والتقديم والتأخير ، إنما يكون مع قرينة . والثاني : أن اللّه ذكر وجوه الأشقياء ووجوه السعداء في السورة بعد ذلك وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناعِمَةٌ لِسَعْيِها راضِيَةٌ فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ [ الغاشية : 8 - 10 ] ، أي في ذلك اليوم ، وهو يوم الآخرة : فالواجب تناظر القسمين أي في الظرف . الثالث : أن نظير هذين القسمين ما ذكر في موضع آخر في قوله : وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ باسِرَةٌ تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِها فاقِرَةٌ [ القيامة : 22 - 25 ] ، وفي موضع آخر في قوله : وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ ضاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ تَرْهَقُها قَتَرَةٌ أُولئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ [ عبس : 38 - 42 ] ، وهذا كله وصف للوجوه في الآخرة . الرابع : أن المراد بالوجوه أصحابها لأن الغالب في القرآن وصف الوجوه بالعلامة كقوله : سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ [ الفتح : 29 ] ، وقوله : فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيماهُمْ [ محمد : 30 ] ، وهذا الوجه لم تتضح دلالته على المقصود . الخامس : أن قوله : خاشعة عاملة ناصبة ، لو جعل صفة لهم في الدنيا لم يكن في هذا اللفظ ذم ، فإن هذا إلى المدح أقرب ، وغايته أنه وصف مشترك بين عباده المؤمنين وعباده الكافرين ، والذم لا يكون بالوصف المشترك ولو أريد المختص ، لقيل : خاشعة للأوثان مثلا ، عاملة لغير اللّه ، ناصبة في طاعة الشيطان ، وليس في القرآن ذم لهذا الوصف مطلقا ولا وعيد عليه ، فحمله على هذا المعنى خروج عن الخطاب المعروف في القرآن ، وهذا الوجه من أقواها في المعنى وأوضحها دلالة . وقد يشهد له أن هؤلاء قد يكون منهم العوام المغرورون بغيرهم ، ويندمون غاية الندم يوم القيامة على اتباعهم إياهم ، كما في قوله تعالى : وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلَّانا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ نَجْعَلْهُما تَحْتَ أَقْدامِنا لِيَكُونا مِنَ الْأَسْفَلِينَ [ فصلت : 29 ] . السادس : وهو مهم أيضا ، أنه لو جعل لهم في الدنيا لكان خاصا ببعض الكفار