الشنقيطي

111

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

دون بعض ، وكان مختصا بالعباد منهم ، مع أن غير العباد منهم يكونون أسوأ عملا ويستوجبون أشد عقوبة . السابع : أن هذا الخطاب لو جعل لهم في الدنيا لكان مثله ينفر من أصل العبادة والتنسك ابتداء ، أي وقد جاءت السنة بترك أصحاب الصوامع والمتنسكين دون التعرض لهم بقتل ولا قتال ، كما أنها أقرت أصحاب الديانات على دياناتهم ، مما يشعر باحترام أصل التعبد لعموم الجنس ، كما أشار رحمة اللّه تعالى عليه . وقد أوردنا مجمل كلامه رحمه اللّه ، لئلا تتخذ الآية على غير ما هو الراجح فيها ، أو يحمل السياق على غير ما سيق له ، وقد ختم كلامه بتوجيه لطيف بقوله : ثم إذا قيد ذلك بعبادة الكفار والمبتدعة ، وليس في الخطاب تقييد ، كان هذا سعيا في إصلاح الخطاب بما لم يذكر فيه ا ه . ومن الذي يعطي نفسه حق إصلاح الخطاب في كلام رب العالمين ، إنها لفتة إلى ضرورة ومدى أهمية تفسير القرآن بالقرآن ، الذي نهجه الشيخ رحمة اللّه تعالى علينا وعليه في أضواء البيان في تفسير القرآن بالقرآن . وقد بدا لي وجه آخر ، وهو لو جعل هذا العمل الكفار والمبتدعة ، لكان منطوقه أن العذاب وقع عليهم مجازاة على عملهم ونصبهم في عبادتهم تلك ، والحال أن عذاب الكفار عموما إنما هو على ترك العمل للّه وحده ، وعقاب المبتدعة فيما ابتدعوه من ضلال ، فإذا كان ما ابتدعوه لا علاقة له بأركان الإسلام ولا بالعقيدة ، وإنما هو في فروع من العبادات ابتدعوها لم تكن في السنة ، فإنهم وإن عملوا ونصبوا فلا أجر لهم فيها ، ولا يقال : إنهم يعذبون عليها بطل ذلك المذكور مع سلامة العقيدة في التوحيد ، والقيام بالواجب في أركان الإسلام ، إذ العذاب المذكور ليس مقابلا بالعمل والنصيب المذكور ، واللّه تعالى أعلم . قوله تعالى : تُسْقى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ ( 5 ) [ 5 ] . قيل : حاضرة ، وقيل : شديدة الحرارة ، وهذا الأخير هو ما يشهد له القرآن في قوله تعالى : يَطُوفُونَ بَيْنَها وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ [ الرحمن : 44 ] ، ومعلوم أن الحميم شديد الحرارة ، كما أن حملها على معنى حاضرة لم يكن فيه بيان معنى ما في تلك العين من أنواع الشراب المعد والمحضر لهم ، وفي المعجم حميم آن : قد انتهى حره ، والفعل : أنى الماء المسخن يأتي بكسر النون . قال عباس :