الشنقيطي

91

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

من الميتة على المضطر فيه وجهان : أحدهما : يجب ، وهو قول مسروق ، وأحد الوجهين لأصحاب الشافعي . قال الأثرم : سئل أبو عبد اللّه عن المضطر يجد الميتة ولم يأكل ، فذكر قول مسروق : من اضطر فلم يأكل ولم يشرب دخل النار . وهذا اختيار ابن حامد ، وذلك لقول اللّه تعالى : وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ [ البقرة : 195 ] ، وترك الأكل مع إمكانه في هذا الحال إلقاء بيده إلى التهلكة وقال اللّه تعالى : وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُمْ رَحِيماً ( 29 ) [ النساء : 29 ] ، ولأنه قادر على إحياء نفسه بما أحله اللّه فلزمه ، كما لو كان معه طعام حلال . والثاني : لا يلزمه ، لما روي عن عبد اللّه بن حذافة السهمي صاحب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : أن طاغية الروم حبسه في بيت وجعل معه خمرا ممزوجا بماء ، ولحم خنزير مشوي ثلاثة أيام ، فلم يأكل ولم يشرب حتى مال رأسه من الجوع والعطش وخشوا موته ، فأخرجوه فقال : قد كان اللّه أحله لي ، لأني مضطر ، ولكن لم أكن لأشمتك بدين الإسلام ؛ ولأن إباحة الأكل رخصة فلا تجب عليه كسائر الرخص ؛ ولأن له غرضا في اجتناب النجاسة والأخذ بالعزيمة ، وربما لم تطب نفسه بتناول الميتة وفارق الحلال في الأصل من هذه الوجوه . وقد قدمنا أن أظهر القولين دليلا وجوب تناول ما يمسك الحياة ؛ لأن الإنسان لا يجوز له إهلاك نفسه . والعلم عند اللّه تعالى . * * * المسألة الرابعة : هل يقدم المضطر الميتة أو مال الغير ؟ اختلف العلماء في ذلك : فذهب مالك إلى أنه يقدم مال الغير إن لم يخف أن يجعل سارقا ويحكم عليه بالقطع . ففي موطّئه ما نصه : وسئل مالك عن الرجل يضطر إلى الميتة ، أيأكل منها وهو يجد ثمرا لقوم أو زرعا أو غنما بمكانه ذلك ؟ قال مالك : إن ظن أن أهل ذلك الثمر ، أو الزرع ، أو الغنم يصدقونه بضرورته حتى لا يعد سارقا فتقطع يده ، رأيت أن يأكل من أي ذلك وجد ما يرد جوعه ولا يحمل منه شيئا ، وذلك أحب إلي من أن يأكل الميتة . وإن هو خشي ألا يصدقوه ، وأن يعد سارقا بما أصاب من ذلك ؛ فإن أكل الميتة خير له عندي . وله في أكل الميتة على هذا الوجه سعة ، مع أني أخاف أن يعدو عاد ممن لم يضطر إلى الميتة يريد استجازة أموال الناس وزروعهم وثمارهم بذلك بدون اضطرار . قال مالك : وهذا أحسن ما سمعت . أه .