الشنقيطي
9
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
أثعلبة الفوارس أم رياحا * عدلت بهم طهيه والحسابا أي سويتهم بهم ، وبين قولهم عدل بمعنى مال وصدّ . ويدلّ للأول قوله تعالى : تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ ( 97 ) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعالَمِينَ ( 98 ) [ الشعراء : 97 - 98 ] وقوله : وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْداداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ [ البقرة : 165 ] الآية . ومثال الإجمال بسبب الاشتراك في حرف قوله تعالى : خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ [ البقرة : 7 ] فإن الواو في قوله : وَعَلى سَمْعِهِمْ وقوله : وَعَلى أَبْصارِهِمْ محتملة للعطف على ما قبلها وللاستئناف ، ولكنه تعالى بين في سورة الجاثية أن قوله هنا : وَعَلى سَمْعِهِمْ [ البقرة : 7 ] معطوف عَلى قُلُوبِهِمْ [ البقرة : 7 ] ، وأن قوله : وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ [ البقرة : 7 ] جملة مستأنفة مبتدأ وخبر ، فيكون الختم على القلوب والأسماع والغشاوة على خصوص الأبصار ، والآية التي بين بها ذلك هي قوله تعالى : أَ فَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً [ الجاثية : 23 ] وسترى في سورة البقرة الجواب عن آية النحل إن شاء اللّه تعالى . ومن أمثلة الاشتراك في حرف أيضا الاشتراك في الواو من قوله : اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ [ آل عمران : 7 ] ، فإنها محتملة للعطف ، فيكون الراسخون في العلم يعلمون تأويل المتشابه ، ومحتملة للاستئناف ، فيكون اللّه تعالى مستأثرا بعلمه دون خلقه . وفي الآية قرائن ترجح أنها للاستئناف أوضحها ابن قدامة في روضة الناظر قال : وفي الآية قرائن تدل على أن اللّه سبحانه وتعالى منفرد بعلم تأويل المتشابه وأن الوقف الصحيح عند قوله تعالى : وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ [ آل عمران : 7 ] لفظا ومعنى ، أما اللفظ فلأنه لو أراد عطف الراسخين لقال : ويقولون آمنا به ، بالواو ، وأما المعنى فلأنه ذم مبتغى التأويل ، ولو كان ذلك للراسخين معلوما لكان مبتغيه ممدوحا لا مذموما ، ولأن قولهم : آمنا يدل على نوع تفويض وتسليم لشيء لم يقفوا على معناه إلى آخره . وسترى تمامه وتفصيله إن شاء اللّه في سورة آل عمران . ومن أمثلة الاشتراك في حرف قوله تعالى : فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ [ المائدة : 6 ] فإن لفظة « من » مشتركة بين التبعيض وابتداء الغاية ، وقد قال الشافعي وأحمد - رحمهما اللّه - هي في هذه الآية الكريمة للتبعيض ، فاشترطا صعيدا له غبار يعلق باليد ، وقال مالك وأبو حنيفة - رحمهما اللّه - هي لابتداء الغاية فلم يشترطا ما له غبار ، بل أجازا التيمم على الرمل والحجارة وقولهما أنسب ، لأن قوله تعالى بعده : ما يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ [ المائدة : 6 ] نكرة في سياق النفي زيدت قبلها لفظة « من » لتوكيد العموم ، والنكرة إذا كانت كذلك فهي نص صريح في شمول النفي لجميع أفراد الجنس والتكليف بخصوص ما له غبار لا يخلو من حرج ، لأن كثيرا من بلاد اللّه لا يوجد