الشنقيطي

87

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

وقال القرطبي أيضا ، وقال مجاهد وابن جبير وغيرهما : المعنى غير باغ على المسلمين ، ولا عاد عليهم ، فيدخل في الباغي والعادي قطاع الطريق ، والخارج على السلطان ، والمسافر في قطع الرحم ، والغارة على المسلمين ، وما شاكله ، وهذا صحيح . فإن أصل البغي في اللغة قصد الفساد ، يقال : بغت المرأة تبغي بغاء إذا فجرت . قال اللّه تعالى : وَلا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ عَلَى الْبِغاءِ [ النور : 33 ] ، وربما استعمل البغي في طلب غير الفساد ، والعرب تقول : خرج الرجل في بغاء إبل له ، أي : في طلبها ، ومنه قول الشاعر : لا يمنعنّك من بغا * ء الخير تعقاد الرتائم إن الأشائم كالأيا * من والأيامن كالأشائم وذكر القرطبي عن مجاهد أن المراد بالاضطرار في هذه الآية الإكراه على أكل المحرم ، كالرجل يأخذه العدو فيكرهونه على لحم الخنزير وغيره من معصية اللّه تعالى ، وذكر أن المراد به عند الجمهور من العلماء المخمصة التي هي الجوع كما ذكرنا . وقد قدمنا أن آية فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ [ المائدة : 3 ] مبينة لذلك ، وحكم الإكراه على أكل ما ذكر يؤخذ من قوله تعالى : إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ [ النحل : 106 ] بطريق الأولى ، وحديث : « إن اللّه تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه » « 1 » . مسائل تتعلق بالاضطرار إلى أكل الميتة المسألة الأولى : أجمع العلماء على أن المضطر له أن يأكل من الميتة ما يسد رمقه ، ويمسك حياته ، وأجمعوا أيضا على أنه يحرم عليه ما زاد على الشبع ، واختلفوا في نفس الشبع : هل له أن يشبع من الميتة أوليس له مجاوزة ما يسد الرمق ، ويأمن معه الموت . فذهب مالك - رحمه اللّه تعالى - إلى أن له أن يشبع من الميتة ويتزود منها ، قال في موطئه : إن أحسن ما سمع في الرجل يضطر إلى الميتة ، أنه يأكل منها حتى يشبع ، ويتزود منها ، فإن وجد عنها غنى طرحها . قال ابن عبد البر : حجة مالك أن المضطر ليس ممن حرمت عليه الميتة ، فإذا كانت

--> ( 1 ) أخرجه عن أبي ذر الغفاري : ابن ماجة في الطلاق حديث 2043 . وأخرجه عن ابن عباس ، ابن ماجة في الطلاق حديث 2045 ، والدارقطني في السنن كتاب النذور حديث ( 33 ) 4 / 170 ، 171 ، والحاكم في كتاب الطلاق 2 / 198 ، وابن حبان حديث 7175 ، والبيهقي في السنن الكبرى كتاب الخلع والطلاق 7 / 356 .