الشنقيطي

88

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

حلالا له أكل منها ما شاء حتى يجد غيرها ، فتحرم عليه . وذهب ابن الماجشون وابن حبيب من المالكية إلى أنه ليس له أن يأكل منها إلا قدر ما يسد الرمق ويمسك الحياة ، وحجتهما : أن الميتة لا تباح إلا عند الضرورة ، وإذا حصل سد الرمق انتفت الضرورة في الزائد على ذلك . وعلى قولهما درج خليل بن إسحاق المالكي في مختصره ، حيث قال : وللضرورة ما يسد غير آدمي . وقال ابن العربي : ومحل هذا الخلاف بين المالكية فيما إذا كانت المخمصة نادرة ، وأما إذا كانت دائمة فلا خلاف في جواز الشبع منها . ومذهب الشافعي على القولين المذكورين عن المالكية ، وحجتهما في القولين كحجة المالكية فيهما ، وقد بيناها . والقولان المذكوران مشهوران عند الشافعية . واختار المزني أنه لا يجاوز سد الرمق ورجحه القفال وكثيرون . وقال النووي : إنه الصحيح . ورجح أبو علي الطبري في الإفصاح والروياني وغيرهما حل الشبع ، قاله النووي أيضا . وفي المسألة قول ثالث للشافعية وهو : أنه إن كان بعيدا من العمران حل الشبع وإلا فلا ، وذكر إمام الحرمين والغزالي تفصيلا في المسألة ، وهو أنه إن كان في بادية وخاف إن ترك الشبع ألا يقطعها ويهلك ، وجب القطع بأنه يشبع ، وإن كان في بلد وتوقع طعاما طاهرا قبل عود الضرورة وجب القطع بالاقتصار على سد الرمق ، وإن كان لا يظهر حصول طعام طاهر وأمكن الحاجة إلى العود إلى أكل الميتة مرة بعد أخرى إن لم يجد الطاهر ، فهذا محل الخلاف . قال النووي : وهذا التفصيل الذي ذكره الإمام والغزالي تفصيل حسن وهو الراجح ؛ وعن الإمام أحمد - رحمه اللّه - في هذه المسألة روايتان أيضا . قال ابن قدامة في المغني : وفي الشبع روايتان : أظهرهما : لا يباح ، وهو قول أبي حنيفة ، وإحدى الروايتين عن مالك ، وأحد القولين للشافعي . قال الحسن : يأكل قدر ما يقيمه ؛ لأن الآية دلت على تحريم الميتة ، واستثنى ما اضطر إليه ، فإذا اندفعت الضرورة لم يحل له الأكل كحالة الابتداء ، ولأنه بعد سد الرمق غير مضطر ، فلم يحل له الأكل للآية . يحققه : أنه بعد سد رمقه كهو قبل أن يضطر ، وثم لم يبح له الأكل كذا ههنا .