الشنقيطي
74
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
وأن له شركاء ، سبحانه وتعالى عن ذلك علوا كبيرا . فصرح بأنه لم يحرم ذلك بقوله : ما جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حامٍ وَلكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ [ المائدة : 103 ] ، وقوله : وَحَرَّمُوا ما رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِراءً عَلَى اللَّهِ [ الأنعام : 140 ] الآية ، وقوله : قُلْ أَ رَأَيْتُمْ ما أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَراماً وَحَلالًا [ يونس : 59 ] الآية ، وقوله : وَلا تَقُولُوا لِما تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هذا حَلالٌ وَهذا حَرامٌ [ النحل : 116 ] ، إلى غير ذلك من الآيات . ونزه نفسه عن الشركاء المزعومة بقوله : سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ [ يونس : 18 ] ونحوها من الآيات ، ونزه نفسه عن الأولاد المزعومة بقوله : وَقالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً سُبْحانَهُ [ البقرة : 116 ] الآية ، ونحوها من الآيات فظهر من هذه الآيات تفصيل ما أجمل في اسم الموصول الذي هو ما ، من قوله : وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ ( 169 ) [ البقرة : 169 ] . قوله تعالى : إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ [ 173 ] الآية . ظاهر هذه الآية أن جميع أنواع الميتة والدم حرام ، ولكنه بين في موضع آخر أن ميتة البحر خارجة عن ذلك التحريم وهو قوله : أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعامُهُ [ المائدة : 96 ] الآية . إذ ليس للبحر طعام غير الصيد إلا ميتته . وما ذكره بعض العلماء من أن المراد [ بطعامه ] قديده المجفف بالملح مثلا ، وأن المراد [ بصيده ] الطري منه . فهو خلاف الظاهر ؛ لأن القديد من صيده فهو صيد جعل قديدا ، وجمهور العلماء على أن المراد بطعامه ميتته . منهم : أبو بكر الصديق ، وزيد بن ثابت ، وعبد اللّه بن عمر ، وأبو أيوب الأنصاري - رضي اللّه عنهم أجمعين - وعكرمة ، وأبو سلمة بن عبد الرحمن ، وإبراهيم النخعي ، والحسن البصري ، وغيرهم . كما نقله عنهم ابن كثير . وأشار في موضع آخر إلى أن غير المسفوح من الدماء ليس بحرام ، وهو قوله : إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً [ الأنعام : 145 ] ، فيفهم منه أن غير المسفوح كالحمرة التي تعلو القدر من أثر تقطيع اللحم ليس بحرام ، إذ لو كان كالمسفوح لما كان في التقييد بقوله : مَسْفُوحاً فائدة . وقد جاء عن النبي صلّى اللّه عليه وسلم أن اللّه أحل له ولأمته ميتتين ودمين . أما الميتتان : فالسمك والجراد ، وأما الدمان : فالكبد والطحال . وسيأتي الكلام على هذا الحديث في الأنعام إن شاء اللّه تعالى . وعنه صلّى اللّه عليه وسلم في البحر : « هو الحل ميتته » ، أخرجه مالك « 1 » وأصحاب السنن « 2 » والإمام
--> ( 1 ) كتاب الطهارة حديث 12 . ( 2 ) أخرجه عن أبي هريرة : أبو داود في الطهارة حديث 83 ، والترمذي في الطهارة حديث 69 ، والنسائي كتاب الطهارة باب ماء البحر . وكتاب المياه باب الوضوء بماء البحر ، وابن ماجة في -