الشنقيطي
65
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
اختلف العلماء في المراد بالأماني هنا على قولين : أحدهما : أن المراد بالأمنية القراءة ، أي : لا يعلمون من الكتاب إلا قراءة ألفاظ دون إدراك معانيها . وهذا القول لا يتناسب مع قوله : وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ ؛ لأن الأمي لا يقرأ . الثاني : أن الاستثناء منقطع ، والمعنى لا يعلمون الكتاب ، لكن يتمنون أماني باطلة ، ويدل لهذا القول قوله تعالى : وَقالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كانَ هُوداً أَوْ نَصارى تِلْكَ أَمانِيُّهُمْ [ البقرة : 111 ] ، وقوله : لَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ وَلا أَمانِيِّ أَهْلِ الْكِتابِ [ النساء : 123 ] . قوله تعالى : ثُمَّ أَنْتُمْ هؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ [ 85 ] . يعني : تقتلون إخوانكم . ويبين أن ذلك هو المراد ، كثرة وروده كذلك في القرآن نحو قوله : وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ [ الحجرات : 11 ] أي : لا يلمز أحدكم أخاه ، وقوله : لَوْ لا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْراً [ النور : 12 ] أي بإخوانهم ، وقوله : فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ [ البقرة : 54 ] أي : بأن يقتل البريء من عبادة العجل من عبده منهم ، إلى غير ذلك من الآيات . ويوضح هذا المعنى قوله صلّى اللّه عليه وسلم : « إنّ مثل المؤمنين في تراحمهم وتوادّهم كمثل الجسد الواحد إذا أصيب منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحّمى » « 1 » . قوله تعالى : أَ فَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ [ 85 ] . يتبين مما قبله أن البعض الذي آمنوا به هو فداء الأسارى منهم ، والبعض الذي كفروا به هو إخراجهم من ديارهم وقتلهم ومظاهرة العدو عليهم ، وإن كفروا بغير هذا من الكتاب وآمنوا بغيره منه . قوله تعالى : وَآتَيْنا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ [ 87 ] . لم يبين هنا ما هذه البينات ولكنه بينها في مواضع أخر كقوله : وَرَسُولًا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِما تَأْكُلُونَ وَما تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ [ آل عمران : 49 ] إلى غير ذلك من الآيات . قوله تعالى : وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ [ 87 ] .
--> ( 1 ) أخرجه عن النعمان بن بشير : البخاري في الأدب حديث 6011 ، ومسلم في البر والصلة حديث 66 ، وأحمد في المسند 4 / 270 .