الشنقيطي

6

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

لمن كان حجة عليه : قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفاءٌ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولئِكَ يُنادَوْنَ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ [ فصلت : 44 ] ففيه للمطيع أعظم وعد وللعاصي أشد وعيد . ومع هذا كله ، فإن أكثر المنتسبين للإسلام اليوم في أقطار الدنيا معرضون عن التدبر في آياته غير مكترثين بقول من خلقهم : أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها [ محمد : 24 ] ، لا يتأدبون بآدابه ، ولا يتخلّقون بما فيه من مكارم الأخلاق ، يطلبون الأحكام في التشريعات الضالة المخالفة له ، غير مكترثين بقول ربهم : وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ [ المائدة : 44 ] وقوله : يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالًا بَعِيداً [ النساء : 60 ] . بل المتأدب بآداب القرآن المتخلّق بما فيه من مكارم الأخلاق محتقر مغموز فيه عند جلّهم إلا من عصمه اللّه ، فهم يحتقرونه ، واحتقاره لهم أشدّ كما قال الشافعي رحمه اللّه : فهذا زاهد في قرب هذا * وهذا فيه أزهد منه فيه وإياك يا أخي ثم إياك ، أن يزهدك في كتاب اللّه تعالى كثرة الزاهدين فيه ، ولا كثرة المحتقرين لمن يعمل به ويدعو إليه ، واعلم أن العاقل الكيّس الحكيم لا يكترث بانتقاد المجانين ، واسمع قول الأديب الكبير محمد بن حنبل الشنقيطي الحسني رحمه اللّه : لا تسؤ بالعلم ظنا يا فتى * إن سوء الظن بالعلم عطب لا يزهدك أخي في العلم أن * غمر الجهال أرباب الأدب إن تر العالم نضوا مرملا * صفر كفّ لم يساعده سبب وتر الجاهل قد حاز الفنى * محرز المأمون من كل أرب قد تجوع الأسد في آجامها * والذئاب الغبس تعتام القتب جرع النفس على تحصيله * مضض المرّين ذلّ وسغب لا يهاب الشوك قطّاف الجنى * وإبار النحل مشتار الضرب أما بعد : فإنا لما عرفنا إعراض أكثر المتّسمين باسم المسلمين اليوم عن كتاب ربهم ونبذهم له وراء ظهورهم ، وعدم رغبتهم في وعده ، وعدم خوفهم من وعيده ، علمنا أن ذلك مما يعين على من أعطاه اللّه علما بكتابه أن يجعل همته في خدمته من بيان معانيه ، وإظهار محاسنه ، وإزالة الإشكال عما أشكل منه ، وبيان أحكامه ، والدعوة إلى العمل به ، وترك كل ما يخالفه . واعلم أن السنة كلها تندرج في آية واحدة من بحره الزاخر ، وهي قوله تعالى : وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا [ الحشر : 7 ] ، ومن أهم المقاصد في ذلك ، هذا الكتاب المبارك الذي هذه ترجمته ، واعلم أن من أهم المقصود بتأليفه أمران :