الشنقيطي

50

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

ذلك التقديم الواجب لهم في الإمامة مشروط بإقامتهم الدين وإطاعتهم للّه ورسوله . فإن خالفوا أمر اللّه فغيرهم ممن يطيع اللّه تعالى وينفذ أوامره أولى منهم . فمن الأدلة الدالة على ذلك ما رواه البخاري في صحيحه عن معاوية رضي اللّه عنه حيث قال : « باب الأمراء من قريش » : حدثنا أبو اليمان ، أخبرنا شعيب عن الزهري قال : كان محمد بن جبير بن مطعم يحدّث أنه بلغ معاوية وهو عنده في وفد من قريش : أن عبد اللّه بن عمرو يحدّث أنه سيكون ملك قحطان ، فغضب ، فقام فأثنى على اللّه بما هو أهله ، ثمّ قال : أمّا بعد : فإنه قد بلغني أنّ رجالا منكم يحدّثون أحاديث ليست في كتاب اللّه ، ولا تؤثر عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، وأولئك جهّالكم ، فإياكم والأمانيّ التي تضلّ أهلها . فإنّي سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم يقول : « إنّ هذا الأمر في قريش لا يعاديهم أحد إلّا كبّه اللّه على وجهه ما أقاموا الدّين » « 1 » . انتهى من صحيح البخاري بلفظه . ومحلّ الشاهد منه قوله صلّى اللّه عليه وسلم : « ما أقاموا الدّين » لأن لفظة « ما » فيه مصدرية ظرفية مقيدة لقوله : إنّ هذا الأمر في قريش ، وتقرير المعنى : إن هذا الأمر في قريش مدة إقامتهم الدين ، ومفهومه : أنهم إن لم يقيموه لم يكن فيهم . وهذا هو التحقيق الذي لا شك فيه في معنى الحديث . وقال ابن حجر في فتح الباري في الكلام على حديث معاوية هذا ما نصه : وقد ورد في حديث أبي بكر الصديق رضي اللّه عنه نظير ما وقع في حديث معاوية ، ذكره محمد بن إسحاق في الكتاب الكبير . فذكر قصة سقيفة بني ساعدة ، وبيعة أبي بكر وفيها . فقال أبو بكر : وإن هذا الأمر في قريش ما أطاعوا اللّه واستقاموا على أمره . وقد جاءت الأحاديث التي أشرت إليها على ثلاثة أنحاء : الأول : وعيدهم باللعن إذا لم يحافظوا على المأمور به . كما في الأحاديث التي ذكرتها في الباب الذي قبله حيث قال : « الأمراء من قريش ما فعلوا ثلاثا : ما حكموا فعدلوا » - الحديث . وفيه : « فمن لم يفعل ذلك منهم فعليه لعنة اللّه » . وليس في هذا ما يقتضى خروج الأمر عنهم . الثاني : وعيدهم بأن يسلط عليهم من يبالغ في أذيتهم . فعند أحمد وأبي يعلى من حديث ابن مسعود رفعه : « إنكم أهل هذا الأمر ما لم تحدثوا ، فإذا غيرتم ، بعث اللّه عليكم من يلحاكم كما يلحى القضيب » « 2 » . ورجاله ثقات إلا أنه من رواية عبيد اللّه بن عبد اللّه بن

--> ( 1 ) أخرجه عن معاوية البخاري في الأحكام حديث 7139 . ( 2 ) أخرجه أحمد في المسند 1 / 458 ، 4 / 118 ، 5 / 274 .