الشنقيطي

326

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

ذكر في هذه الآية الكريمة أن كثيرا من مناجاة الناس فيما بينهم لا خير فيه . ونهى في موضع آخر عن التناجي بما لا خير فيه ، وبين أنه من الشيطان ليحزن به المؤمنين وهو قوله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَناجَيْتُمْ فَلا تَتَناجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وَتَناجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوى وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ( 9 ) إِنَّمَا النَّجْوى مِنَ الشَّيْطانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضارِّهِمْ شَيْئاً إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ( 10 ) [ المجادلة : 9 - 10 ] وقوله في هذه الآية الكريمة : أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ [ النساء : 114 ] لم يبين هنا هل المراد بالناس المسلمون دون الكفار أو لا . ولكنه أشار في مواضع أخر أن المراد بالناس المرغب في الإصلاح بينهم هنا المسلمون خاصة كقوله تعالى : إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ [ الحجرات : 10 ] . وقوله : وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما [ الحجرات : 9 ] فتخصيصه المؤمنين بالذكر يدل على أن غيرهم ليس كذلك كما هو ظاهر ، وكقوله تعالى : فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ [ الأنفال : 1 ] . وقال بعض العلماء : إن الأمر بالمعروف المذكور في هذه الآية في قوله : إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ يبينه . قوله تعالى : وَالْعَصْرِ ( 1 ) إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ ( 2 ) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَتَواصَوْا بِالْحَقِّ وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ ( 3 ) [ العصر : 1 - 3 ] وقوله : إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَقالَ صَواباً ( 38 ) [ النبأ : 38 ] والآية الأخيرة فيها أنها في الآخرة ، والأمر بالمعروف المذكور إنما هو في الدنيا والعلم عند اللّه تعالى . قوله تعالى : وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطاناً مَرِيداً المراد في هذه الآية . بدعائهم الشيطان المريد عبادتهم له ونظيره قوله تعالى : أَ لَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ [ يس : 60 ] الآية . وقوله عن خليله إبراهيم مقررا له : يا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطانَ [ مريم : 44 ] وقوله عن الملائكة بل كانوا يعبدون الجن الآية وقوله : وَكَذلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكاؤُهُمْ [ الأنعام : 137 ] ولم يبين في هذه الآيات ما وجه عبادتهم للشيطان ولكنه بين في آيات أخر أن معنى عبادتهم للشيطان إطاعتهم له واتباعهم لتشريعه وإيثاره على ما جاءت به الرسل من عند اللّه تعالى كقوله : وَإِنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إِلى أَوْلِيائِهِمْ لِيُجادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ ( 121 ) [ الأنعام : 121 ] وقوله : اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ [ التوبة : 31 ] الآية فإن عدي بن حاتم رضي اللّه عنه لما قال للنبي صلّى اللّه عليه وسلم كيف اتخذوهم أربابا ؟ قال له النبي صلّى اللّه عليه وسلم : « إنهم أحلوا لهم ما حرم اللّه وحرموا عليهم ما أحل اللّه