الشنقيطي

327

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

فاتبعوهم » « 1 » وذلك هو معنى اتخاذهم إياهم أربابا ويفهم من هذه الآيات بوضوح لا لبس فيه أن من اتبع تشريع الشيطان مؤثرا له على ما جاءت به الرسل ، فهو كافر باللّه ، عابد للشيطان ، متخذ الشيطان ربا وإن سمى اتباعه للشيطان بما شاء من الأسماء ؛ لأن الحقائق لا تتغير بإطلاق الألفاظ عليها كما هو معلوم . قوله تعالى : وَقالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبادِكَ نَصِيباً مَفْرُوضاً بين هنا فيما ذكر عن الشيطان كيفية اتخاذه لهذا النصيب المفروض بقوله : وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذانَ الْأَنْعامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ [ 119 ] والمراد بتبتيك آذان الأنعام شق أذن البحيرة مثلا وقطعها ليكون ذلك سمة وعلامة لكونها بحيرة أو سائبة كما قاله قتادة والسّدّي وغيرهما ، وقد أبطله تعالى بقوله : ما جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ [ المائدة : 103 ] الآية والمراد ببحرها شق أذنها كما ذكرنا والتبتيك في اللغة التقطيع ومنه قول زهير : حتى إذا ما هوت كف الوليد لها * طارت وفي كفه من ريشها بتك أي : قطع ، كما بين كيفية اتخاذه لهذا النصيب المفروض في آيات أخر كقوله : لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ ( 16 ) ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمانِهِمْ وَعَنْ شَمائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكِرِينَ ( 17 ) [ الأعراف : 16 - 17 ] وقوله : أَ رَأَيْتَكَ هذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ [ الإسراء : 62 ] الآية . ولم يبين هنا هل هذا الظن الذي ظنه إبليس ببني آدم أنه يتخذ منهم نصيبا مفروضا وأنه يضلهم تحقق لإبليس ، أولا ولكنه بين في آية أخرى أن ظنه هذا تحقق له وهي قوله : وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ [ سبأ : 20 ] الآية . ولم يبين هنا الفريق السالم من كونه من نصيب إبليس ولكنه بينه في مواضع أخر كقوله : وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ( 39 ) إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ ( 40 ) [ الحجر : 39 - 40 ] وقوله : إِنَّما سُلْطانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ ( 100 ) [ النحل : 100 ] إلى غير ذلك من الآيات ولم يبين هنا هل نصيب إبليس هذا هو الأكثر أو لا ولكنه بين في مواضع أخر أنه هو الأكثر كقوله : وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ ( 17 ) [ هود : 17 ] وقوله : وَما أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ ( 103 ) [ يوسف : 103 ] وقوله : وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ [ الأنعام : 116 ] وقوله : وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ ( 71 ) [ الصافات : 71 ] .

--> ( 1 ) أخرجه عن عدي بن حاتم : الترمذي في تفسير القرآن حديث 3095 ، وابن جرير في جامع البيان 10 / 80 ، 81 ، وابن أبي حاتم في علل الحديث ، حديث 2556 ، والطبراني في المعجم الكبير مسند عدي بن حاتم حديث 218 و 219 ، والبيهقي في السنن الكبرى ، كتاب آداب القاضي 10 / 116 .