الشنقيطي

301

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

أما وقتها الاختياري فأوله عندما يكون ظل كل شيء مثله من غير اعتبار ظل الزوال ، ويدخل وقتها بانتهاء وقت الظهر المتقدم بيانه ، ففي حديث ابن عباس المتقدم « فصلى العصر حين صار ظل كل شيء مثله » « 1 » . وفي حديث جابر المتقدم أيضا : « فصلى العصر حين صار ظل كل شيء مثله » « 2 » وهذا هو التحقيق في أول وقت العصر ، كما صرحت به الأحاديث المذكورة وغيرها . وقال الشافعي : أول وقت العصر إذا صار ظل كل شيء مثله ، وزاد أدنى زيادة . قال مقيده - عفا اللّه عنه - إن كان مراد الشافعي أن الزيادة لتحقيق بيان انتهاء الظل إلى المثل إذ لا يتيقن ذلك إلا بزيادة ما كما قال به بعض الشافعية فهو موافق لما عليه الجمهور لا مخالف له ، وإن كان مراده غير ذلك فهو مردود بالنصوص المصرحة بأن أول وقت العصر عندما يكون ظل الشيء مثله من غير حاجة إلى زيادة مع أن الظاهر إمكان تحقيق كون ظل الشيء مثله من غير احتياج إلى زيادة ما . وشذ أبو حنيفة - رحمه اللّه - من بين عامة العلماء فقال : يبقى وقت الظهر حتى يصير الظل مثلين ، فإذا زاد على ذلك يسيرا كان أول وقت العصر . ونقل النووي في شرح المهذب عن القاضي أبي الطيب أن ابن المنذر قال : لم يقل هذا أحد غير أبي حنيفة - رحمه اللّه - وحجته حديث ابن عمر - رضي اللّه عنهما - أنه سمع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم يقول : « إنما بقاؤكم فيما سلف من الأمم قبلكم كان صلاة العصر إلى غروب الشمس ، أوتي أهل التوراة التوراة فعملوا حتى إذا انتصف النهار عجزوا فأعطوا قيراطا قيراطا ثم أوتي أهل الإنجيل الإنجيل ، فعملوا إلى صلاة العصر فعجزوا فأعطوا قيراطا قيراطا ، ثم أوتينا القرآن فعملنا إلى غروب الشمس فأعطينا قيراطين قيراطين . فقال أهل الكتاب : أي : ربنا أعطيت هؤلاء قيراطين قيراطين وأعطيتنا قيراطا قيراطا ونحن أكثر عملا . قال اللّه تعالى : هل ظلمتكم من أجركم من شيء ، قالوا لا قال فهو فضلي أوتيه من أشاء » متفق عليه « 3 » . قال : فهذا دليل على أن وقت العصر أقصر من وقت الظهر ومن حين يصير ظل الشيء مثله إلى غروب الشمس وهو ربع النهار ، وليس بأقل من وقت الظهر ، بل هو مثله . وأجيب عن هذا الاستدلال بأن المقصود من هذا الحديث ضرب المثل لا بيان تحديد أوقات الصلاة ، والمقصود من الأحاديث الدالة على انتهاء وقت الظهر عندما يصير ظل الشيء مثله هو تحديد أوقات الصلاة ، وقد تقرر في الأصول أن أخذ الأحكام من مظانها

--> ( 1 ) سبق تخريجه . ( 2 ) سبق تخريجه . ( 3 ) أخرجه البخاري في مواقيت الصلاة حديث 557 ، والإجارة حديث 2268 و 2269 ، وأحاديث الأنبياء حديث 3459 ، وفضائل القرآن حديث 5021 ، والتوحيد حديث 7467 و 7533 .