الشنقيطي

300

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

« جمع النبي صلّى اللّه عليه وسلم بالمدينة من غير خوف ، ولا سفر » متفق عليه « 1 » ، وفي رواية لمسلم « 2 » « من غير خوف ، ولا مطر » فاستدلوا بهذا على الاشتراك ، وقالوا أيضا : الصلوات زيد فيها على بيان جبريل في اليوم الثاني ، فينبغي أن يزاد في وقت الظهر . قال مقيده - عفا اللّه عنه - الظاهر سقوط هذا الاستدلال ، أما الاستدلال على الاشتراك بحديث ابن عباس « فصلى الظهر في اليوم الثاني في الوقت الذي صلى فيه العصر ، في اليوم الأول » فيجاب عنه بما أجاب به الشافعي - رحمه اللّه - وهو أن معنى صلاته للظهر في اليوم الثاني فراغه منها ، كما هو ظاهر اللفظ ، ومعنى صلاته للعصر في ذلك الوقت ، في اليوم الأول ابتداء الصلاة ، فيكون قد فرغ من صلاة الظهر في اليوم الثاني عند كون ظل الشخص مثله ، وابتدأ صلاة العصر في اليوم الأول عند كون ظل الشخص مثله أيضا ، فلا يلزم الاشتراك ، ولا إشكال في ذلك ؛ لأن آخر وقت الظهر ، هو أول وقت العصر ، ويدل لصحة هذا الذي قاله الشافعي ، ما رواه مسلم في صحيحه من حديث أبي موسى - رضي اللّه عنه - « وصلى الظهر قريبا من وقت العصر بالأمس » « 3 » فهو دليل صحيح واضح في أنه ابتدأ صلاة الظهر في اليوم الثاني قريبا من وقت كون ظل الشخص مثله ، وأتمها عند كون ظله مثله كما هو ظاهر ، ونظير هذا التأويل الذي ذهب إليه الشافعي . قوله تعالى : فَإِذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ [ الطلاق : 2 ] وقوله تعالى : فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ [ البقرة : 232 ] فالمراد بالبلوغ الأول مقاربته ، وبالثاني حقيقة انقضاء الأجل . وأما الاستدلال على الاشتراك بحديث ابن عباس ، المتفق عليه أنه صلّى اللّه عليه وسلم « جمع بالمدينة من غير خوف ، ولا سفر » فيجاب عنه بأنه يتعين حمله على الجمع الصوري جمعا بين الأدلة ، وهو أنه صلى الظهر في آخر وقتها حين لم يبق من وقتها إلا قدر ما تصلى فيه ، وعند الفراغ منها دخل وقت العصر فصلاها في أوله ، ومن صلى الظهر في آخر وقتها ، والعصر في أول وقتها كانت صورة صلاته صورة الجمع ، وليس ثم جمع في الحقيقة ؛ لأنه أدى كلا من الصلاتين في وقتها المعين لها ، كما هو ظاهر ، وستأتي له زيادة إيضاح إن شاء اللّه . وأما الاستدلال بأن الصلوات زيد فيها على بيان جبريل ، فهو ظاهر السقوط ؛ لأن توقيت العبادات توقيفي بلا نزاع ، والزيادة في الأوقات المذكورة ثبتت بالنصوص الشرعية . وأما صلاة العصر ، فقد دلت نصوص السنة على أن لها وقتا اختياريا ، ووقتا ضروريا ،

--> ( 1 ) أخرجه البخاري في أبواب التطوع ، حديث 562 و 1174 ، ومسلم في صلاة المسافرين ، حديث 49 و 50 و 55 و 56 . ( 2 ) كتاب صلاة المسافرين حديث 54 . ( 3 ) سبق تخريجه .