الشنقيطي

254

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

فتح مكة ، وفي حجة الوداع أيضا والجمع واجب إذا أمكن ، كما تقرر في علم الأصول وعلوم الحديث . الثالث : أنا لو سلمنا تسليما جدليا أن الآية تدل على إباحة نكاح المتعة فإن إباحتها منسوخة كما صح نسخ ذلك في الأحاديث المتفق عليها عنه صلّى اللّه عليه وسلم وقد نسخ ذلك مرتين الأولى يوم خيبر كما ثبت في الصحيح « 1 » والآخرة يوم فتح مكة ، كما ثبت في الصحيح « 2 » أيضا . وقال بعض العلماء : نسخت مرة واحدة يوم الفتح ، والذي وقع في خيبر تحريم لحوم الحمر الأهلية فقط ، فظن بعض الرواة أن يوم خيبر ظرف أيضا لتحريم المتعة . واختار هذا القول العلامة ابن القيم - رحمه اللّه - ولكن بعض الروايات الصحيحة ، صريحة في تحريم المتعة يوم خيبر أيضا ، فالظاهر أنها حرمت مرتين كما جزم به غير واحد ، وصحت الرواية به . واللّه تعالى أعلم . الرابع : أنه تعالى صرح بأنه يجب حفظ الفرج عن غير الزوجة والسرية في قوله تعالى : إِلَّا عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ [ المؤمنون : 6 ] في الموضعين ، ثم صرح بأن المبتغى وراء ذلك من العادين بقوله : فَمَنِ ابْتَغى وَراءَ ذلِكَ [ المؤمنون : 7 ] الآية . ومعلوم أن المستمتع بها ليست مملوكة ولا زوجة ، فمبتغيها إذن من العادين بنص القرآن ، أما كونها غير مملوكة فواضح ، وأما كونها غير زوجة فلانتفاء لوازم الزوجية عنها كالميراث ، والعدة ، والطلاق ، والنفقة ، ولو كانت زوجة لورثت واعتدت ووقع عليها الطلاق ووجبت لها النفقة ، كما هو ظاهر ، فهذه الآية التي هي وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ ( 5 ) إِلَّا عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ ( 6 ) فَمَنِ ابْتَغى وَراءَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ العادُونَ ( 7 ) [ المؤمنون : 5 - 7 ] صريحة في منع الاستمتاع بالنساء الذي نسخ . وسياق الآية التي التي نحن بصددها يدل دلالة واضحة على أن الآية في عقد النكاح كما بينا لا في نكاح المتعة ، لأنه تعالى ذكر المحرمات التي لا يجوز نكاحها ، بقوله تعالى : حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ وَبَناتُكُمْ [ النساء : 23 ] إلخ . . ثم بين أن غير تلك المحرمات حلال بالنكاح بقوله : وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ [ النساء : 24 ] ثم بين أن من نكحتم منهن واستمتعتم بها يلزمكم أن تعطوها مهرها ، مرتبا لذلك بالفاء على النكاح بقوله : فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ [ النساء : 24 ] الآية . كما بيناه واضحا والعلم

--> ( 1 ) أخرجه عن علي بن أبي طالب : البخاري في المغازي حديث 4216 ، والنكاح حديث 5115 ، والذبائح حديث 5523 ، ومسلم في النكاح حديث 29 . ( 2 ) سبق تخريجه .