الشنقيطي

255

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

عند اللّه تعالى . قوله تعالى : وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَناتِ الْمُؤْمِناتِ فَمِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ فَتَياتِكُمُ الْمُؤْمِناتِ [ 25 ] . ظاهر هذه الآية الكريمة أن الأمة لا يجوز نكاحها ، ولو عند الضرورة إلا إذا كانت مؤمنة بدليل قوله : مِنْ فَتَياتِكُمُ الْمُؤْمِناتِ فمفهوم مخالفته أن غير المؤمنات من الإماء لا يجوز نكاحهن على كل حال ، وهذا المفهوم يفهم من مفهوم آية أخرى وهي قوله تعالى : وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ [ المائدة : 5 ] فإن المراد بالمحصنات فيها الحرائر على أحد الأقوال ، ويفهم منه أن الإماء الكوافر لا يحل نكاحهن ولو كن كتابيات ، وخالف الإمام أبو حنيفة - رحمه اللّه - فأجاز نكاح الأمة الكافرة ، وأجاز نكاح الإماء لمن عنده طول ينكح به الحرائر ؛ لأنه لا يعتبر مفهوم المخالفة كما عرف في أصوله - رحمه اللّه . أما وطء الأمة الكافرة بملك اليمين ، فإنها إن كانت كتابية فجمهور العلماء على إباحة وطئها بالملك ، لعموم قوله تعالى : إِلَّا عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ [ المؤمنون : 6 ] الآية . ولجواز نكاح حرائرهم فيحل التسري بالإماء منهم . وأما إن كانت الأمة المملوكة له مجوسية أو عابدة وثن ممن لا يحل نكاح حرائرهم فجمهور العلماء على منع وطئها بملك اليمين . قال ابن عبد البر : وعليه جماعة فقهاء الأمصار وجمهور العلماء ، وما خالفه فهو شذوذ لا يعد خلافا ، ولم يبلغنا إباحة ذلك إلا عن طاوس . قال مقيده - عفا اللّه عنه - الذي يظهر من جهة الدليل واللّه تعالى أعلم ، جواز وطء الأمة بملك اليمين وإن كانت عابدة وثن أو مجوسية ؛ لأن أكثر السبايا في عصره صلّى اللّه عليه وسلم من كفار العرب وهم عبدة أوثان ، ولم ينقل عن النبي صلّى اللّه عليه وسلم أنه حرم وطأهن بالملك لكفرهن ولو كان حراما لبينه ، بل قال صلّى اللّه عليه وسلم : « لا توطأ حامل حتى تضع ، ولا غير ذات حمل حتى تحيض حيضة » « 1 » ولم يقل حتى يسلمن ولو كان ذلك شرطا لقاله وقد أخذ الصحابة سبايا فارس وهن مجوس ، ولم ينقل أنهم اجتنبوهن حتى أسلمن . وقال العلامة ابن القيم - رحمه اللّه - في زاد المعاد ما نصه : ودل هذا القضاء النبوي على جواز وطء الإماء الوثنيات بملك اليمين ، فإن سبايا أوطاس لم يكنّ كتابيات ، ولم يشترط رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم في وطئهن إسلامهن ، ولم يجعل المانع منه إلا الاستبراء فقط ، وتأخير البيان عن وقت الحاجة ممتنع مع أنهم حديثو عهد بالإسلام ويخفى عليهم حكم هذه

--> ( 1 ) سبق تخريجه .