الشنقيطي
253
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
يعني : كما أنكم تستمتعون بالمنكوحات فأعطوهن مهورهن في مقابلة ذلك ، وهذا المعنى تدل له آيات من كتاب اللّه كقوله تعالى : وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضى بَعْضُكُمْ إِلى بَعْضٍ [ النساء : 21 ] الآية . فإفضاء بعضهم إلى بعض المصرح بأنه سبب لاستحقاق الصداق كاملا ، هو بعينه الاستمتاع المذكور هنا في قوله : فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ الآية . وقوله : وَآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً [ النساء : 4 ] وقوله : وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً [ البقرة : 229 ] الآية . فالآية في عقد النكاح ، لا في نكاح المتعة كما قال به من لا يعلم معناها ، فإن قيل التعبير بلفظ الأجور يدل على أن المقصود الأجرة في نكاح المتعة ؛ لأن الصداق لا يسمى أجرا ، فالجواب أن القرآن جاء فيه تسمية الصداق أجرا في موضع لا نزاع فيه ؛ لأن الصداق لما كان في مقابلة الاستمتاع بالزوجة كما صرح به تعالى في قوله : وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ [ النساء : 21 ] الآية . صار له شبه قوي بأثمان المنافع فسمي أجرا ، وذلك الموضع هو قوله تعالى : فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ [ النساء : 25 ] أي : مهورهن بلا نزاع ، ومثله قوله تعالى : لَهُمْ وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الْمُؤْمِناتِ وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ [ المائدة : 5 ] الآية . أي مهورهن فاتضح أن الآية في النكاح لا في نكاح المتعة ، فإن قيل : كان ابن عباس وأبي بن كعب ، وسعيد بن جبير ، والسدي يقرأون ، فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى ، وهذا يدل على أن الآية في نكاح المتعة ، فالجواب من ثلاثة أوجه : الأول : أن قولهم إلى أجل مسمى لم يثبت قرآنا لإجماع الصحابة على عدم كتبه في المصاحف العثمانية ، وأكثر الأصوليين على أن ما قرأه الصحابي على أنه قرآن ، ولم يثبت كونه قرآنا لا يستدل به على شيء ؛ لأنه باطل من أصله ؛ لأنه لما لم ينقله إلا على أنه قرآن فبطل كونه قرآنا ظهر بطلانه من أصله . الثاني : أنا لو مشينا على أنه يحتج به ، كالاحتجاج بخبر الآحاد كما قال به قوم ، أو على أنه تفسير منهم للآية بذلك ، فهو معارض بأقوى منه ؛ لأن جمهور العلماء على خلافه ؛ ولأن الأحاديث الصحيحة الصريحة قاطعة بكثرة بتحريم نكاح المتعة ، وصرح صلّى اللّه عليه وسلم بأن ذلك التحريم دائم إلى يوم القيامة ، كما ثبت في صحيح مسلم من حديث سبرة بن معبد الجهني - رضي اللّه عنه - أنه غزا مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم يوم فتح مكة . فقال : « يا أيها الناس إني كنت أذنت لكم في الاستمتاع من النساء ، وإن اللّه قد حرم ذلك إلى يوم القيامة ، فمن كان عنده منهن شيء فليخل سبيله ، ولا تأخذوا مما آتيتموهن شيئا » « 1 » . وفي رواية لمسلم في حجة الوداع ، ولا تعارض في ذلك لإمكان أنه صلّى اللّه عليه وسلم قال ذلك يوم
--> ( 1 ) كتاب النكاح حديث 21 .