الشنقيطي
252
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
قال ابن كثير في تفسير هذه الآية بعد ذكره أقوال الجماعة التي ذكرنا في أن البيع طلاق ، ما نصه : وقد خالفهم الجمهور قديما وحديثا ، فرأوا أن بيع الأمة ليس طلاقا لها ؛ لأن المشتري نائب عن البائع ، والبائع كان قد أخرج عن ملكه هذه المنفعة ، وباعها مسلوبة عنه ، واعتمدوا في ذلك على حديث بريرة المخرج في الصحيحين وغيرهما ، فإن عائشة أم المؤمنين اشترتها وأعتقتها ولم ينفسخ نكاحها من زوجها مغيث ، بل خيرها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم بين الفسخ والبقاء ، فاختارت الفسخ « 1 » . وقصتها مشهورة ، فلو كان بيع الأمة طلاقها كما قال هؤلاء ، ما خيرها النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، فلما خيرها دل على بقاء النكاح ، وأن المراد من الآية المسبيات فقط واللّه أعلم ا ه منه بلفظه . فإن قيل : إن كان المشتري امرأة لم ينفسخ النكاح ؛ لأنها لا تملك الاستمتاع ببضع الأمة ، بخلاف الرجل ، وملك اليمين أقوى من ملك النكاح ، كما قال بهذا جماعة . ولا يرد على هذا القول حديث بريرة ، فالجواب هو ما حرره العلامة ابن القيم رحمه اللّه ، وهو أنها إن لم تملك الاستمتاع ببضع أمتها ، فهي تملك المعاوضة عليه وتزويجها ، وأخذ مهرها ، وذلك كملك الرجل وإن لم تستمتع بالبضع ، فإذا حققت ذلك ، علمت أن التحقيق في معنى الآية : وحرمت عليكم المحصنات أي المتزوجات ، إلا ما ملكت أيمانكم بالسبي من الكفار ، فلا منع في وطئهن بملك اليمين بعد الاستبراء ، لانهدام الزوجية الأولى بالسبي كما قررنا ، وكانت أم المؤمنين جويرية بنت الحارث رضي اللّه عنها متزوجة برجل اسمه مسافع ، فسبيت في غزوة بني المصطلق وقصتها معروفة . قال ناظم قرة الأبصار في جويرية رضي اللّه عنها : وقد سباها في غزاة المصطلق * من بعلها مسافع بالمنزلق ومراده بالمنزلق السيف ، ثم إن العلماء اختلفوا في السبي ، هل يبطل حكم الزوجية الأولى مطلقا ولو سبي الزوج معها ، وهو ظاهر الآية أو لا يبطله إلا إذا سبيت وحدها دونه ؟ فإن سبي معها فحكم الزوجية باق ، وهو قول أبي حنيفة وبعض أصحاب أحمد والعلم عند اللّه تعالى . قوله تعالى : فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ [ 24 ] الآية .
--> ( 1 ) أخرجه عن ابن عباس : البخاري في الطلاق حديث 5283 ، وأبو داود في الطلاق حديث 2231 و 2232 ، وابن ماجة في الطلاق حديث 2075 . وأخرجه عن عائشة : البخاري في الطلاق حديث 5279 ، ومسلم في العتق حديث 10 ، وأبو داود في الطلاق حديث 2234 ، والترمذي في الرضاع حديث 1154 و 1155 ، والنسائي في الطلاق ، باب خيار الأمة ، وابن ماجة في الطلاق حديث 2076 .