الشنقيطي
251
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ [ النور : 33 ] فهذه الآيات تدل على أن المراد بما ملكت أيمانكم الإماء دون المنكوحات كما هو ظاهر ، وكذلك الوجه الثاني غير ظاهر ؛ لأن المعنى عليه : وحرمت عليكم الحرائر إلا ما ملكت أيمانكم ، وهذا خلاف الظاهر من معنى لفظ الآية كما ترى . وصرح العلامة ابن القيم - رحمه اللّه - بأن هذا القول مردود لفظا ومعنى ، فظهر أن سياق الآية يدل على المعنى الذي اخترنا ، كما دلت عليه الآيات الأخر التي ذكرنا ، ويؤيده سبب النزول ؛ لأن سبب نزولها كما أخرجه مسلم في صحيحه « 1 » والإمام أحمد « 2 » ، وأبو داود « 3 » ، والترمذي « 4 » ، والنسائي « 5 » ، وابن ماجة وعبد الرزاق عن أبي سعيد الخدري رضي اللّه عنه قال : أصبنا سبيا من سبي أوطاس ولهن أزواج فكرهنا أن نقع عليهن ولهن أزواج ، فسألنا النبي صلّى اللّه عليه وسلم فنزلت هذه الآية : وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ إِلَّا ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ فاستحللنا فروجهن . وروى الطبراني عن ابن عباس أنها نزلت في سبايا خيبر ، ونظير هذا التفسير الصحيح قول الفرزدق . وذات حليل أنكحتها رماحنا * حلال لمن يبني بها لم تطلق تنبيه : فإن قيل : عموم قوله تعالى : إِلَّا ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ لا يختص بالمسبيات ، بل ظاهر هذا العموم أن كل أمة متزوجة إذا ملكها رجل آخر فهي تحل له بملك اليمين ويرتفع حكم الزوجية بذلك الملك ، والآية وإن نزلت في خصوص المسبيات كما ذكرنا ، فالعبرة بعموم الألفاظ لا بخصوص الأسباب ، فالجواب : أن جماعة من السلف قالوا بظاهر هذا العموم فحكموا بأن بيع الأمة مثلا يكون طلاقا لها من زوجها أخذا بعموم هذه الآية ، ويروى هذا القول عن ابن مسعود وابن عباس وأبي بن كعب وجابر بن عبد اللّه وسعيد بن المسيب والحسن ومعمر ، كما نقله عنهم ابن كثير وغيره ، ولكن التحقيق في هذه المسألة هو ما ذكرنا من اختصاص هذا الحكم بالمسبيات دون غيرها من المملوكات بسبب آخر غير السبي ، كالبيع مثلا وليس من تخصيص العام بصورة سببه . وأوضح دليل في ذلك قصة بريرة المشهورة مع زوجها مغيث .
--> ( 1 ) كتاب الرضاع حديث 35 . ( 2 ) المسند 3 / 72 ، 84 . ( 3 ) كتاب النكاح حديث 2155 . ( 4 ) كتاب تفسير القرآن حديث 3017 . ( 5 ) كتاب النكاح ، باب تأويل قول اللّه عزّ وجلّ وَالْمُحْصَناتُ .